البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ١٤

﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها، وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين. ثم قوله تعالى: { تلك حدود الله } فالوصية للوارث بزيادة على حقه، يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: " لا وصية لوارث " ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عموما، ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض، أو ترك ذلك، فقال: { ومن يطع الله ورسوله } بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها، واجتناب نهيهما الذي أعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } فمن أدى الأوامر، واجتنب النواهي، فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار. { وذلك الفوز العظيم } الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون. { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله معصية تامة، يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٣–١٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر ابن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم (1) بشر عمله، فيدخل النار؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل (2) الجنة". قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم {تلك حدود الله} إلى قوله: {عذاب مهين} (3) . [و] (4) قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من (5) سننه: حدثنا عبدة (6) بن عبد الله أخبرنا عبد الصمد، حدثنا [نصر] (7) بن علي الحداني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب: أن أبا هريرة حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار" وقال: قرأ علي أبو هريرة من هاهنا: {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} حتى بلغ: { [و] (8) ذلك الفوز العظيم} . وهكذا (9) رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عبد الله بن جابر الحداني به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل (10) . كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: {واللاتي يأتين الفاحشة} يعني: الزنا {من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك. قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم. وكذا روي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

عنه، {ويتعد حدوده} [النساء: 14] يقول: ويتجاوز فصول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين معصيته إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثته، وغير ذلك من حدوده. {يدخله نارا خالدا فيها} [النساء: 14] يقول: باقيا فيها أبدا لا يموت ولا يخرج منها أبدا {وله عذاب مهين} [النساء: 14] يعني: وله عذاب مذل من عذب به مخز له وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٤٩١) ↗

التحرير والتنوير

يوصيكم الله بذلك وصية منه فهو ختم للأحكام بمثل ما بدئت بقوله: يوصيكم الله [النساء: 11] وهذا من رد العجز على الصدر. وقوله: والله عليم حليم تذييل، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أن الأحكام المتقدمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعا مثاره الجهل والقساوة. فإن حرمان البنت والأخ للأم من الإرث جهل بأن صلة النسبة من جانب الأم مماثلة لصلة نسبة جانب الأب. فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم. وقد بينت الآيات في هذه السورة الميراث وأنصباءه بين أهل أصول النسب وفروعه وأطرافه وعصمة الزوجية، وسكتت عما عدا ذلك من العصبة وذوي الأرحام وموالي العتاقة وموالي الحلف، وقد أشار قوله تعالى: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في سورة الأنفال [75] وقوله: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في سورة الأحزاب [6] إلى ما أخذ منه كثير من الفقهاء توريث ذوي الأرحام. وأشار قوله الآتي قريبا ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [النساء: 33] إلى ما يؤخذ منه التوريث بالولاء على الإجمال كما سنبينه، وبين النبيء صلى الله عليه وسلم توريث العصبة بما رواه رواه أهل الصحيح عن ابن عباس أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» وما رواه الخمسة- غير النسائي- عن أبي هريرة: أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لموالي العصبة ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه» وسنفصل القول في ذلك في مواضعه المذكورة. [13، 14] 14] تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14)

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٦٧) ↗