سورة النساء · الآية ١٣٧
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: من تكرر منه الكفر بعد الإيمان، فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ثم كفر واستمر على كفره، وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة، لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. فإن كفره، يكون عقوبة وطبعا لا يزول كما قال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5]. ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110]. ودلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا، بل رجعوا إلى الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت منهم الردة. وإذا كان هذا الحكم في الكفر. فغيره من المعاصي التي دونه من باب أولى أن العبد لو تكررت منه، ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له بالمغفرة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٣٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما} يعني: أن المنافقين من هذه الصفة فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطبع على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة. قال الله تعالى منكرا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: {أيبتغون عندهم العزة} ؟ ثم أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} [فاطر: 10] ، وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] . والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد. ويناسب أن يذكر (1) هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسي، عن أبي ريحانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار، يريد بهم عزا وفخرا، فهو عاشرهم في النار". تفرد به أحمد (2) وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري. اسمه (3) شمعون بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله (4) أعلم. وقوله [تعالى] (5) {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم} أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه. فلهذا قال تعالى: {إنكم إذا مثلهم} [أي] (6) في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[النساء: 137] به {ثم ازدادوا كفرا} [آل عمران: 90] بمحمد {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا} [النساء: 137]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٥٩٦) ↗التحرير والتنوير
… فهم أحرياء بأن يسودوا غيرهم لسلامة إيمانهم من إنكار فضائل أهل الفضائل، ويدل لذلك قوله عقبه «ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه» ، ويزيد ذلك تأييدا أنه قال: واليوم الآخر فعطفه على الأشياء التي من يكفر بها فقد ضل، مع أنه لم يأمر المؤمنين بالإيمان باليوم الآخر فيما أمرهم به، لأن الإيمان به يشاركهم فيه اليهود فلم يذكره فيما يجب الإيمان به، وذكره بعد ذلك تعريضا بالمشركين. المسلك الثالث: أن يراد بالأمر بالإيمان الدوام عليه تثبيتا لهم على ذلك، وتحذيرا لهم من الارتداد، فيكون هذا الأمر تمهيدا وتوطئة لقوله: ومن يكفر بالله وملائكته، ولقوله: إن الذين آمنوا ثم كفروا [النساء: 137] الآية. المسلك الرابع: أن الخطاب للمنافقين، يعني: يا أيها الذين أظهروا الإيمان أخلصوا إيمانكم حقا. المسلك الخامس: روي عن الحسن تأويل الأمر في قوله: آمنوا بالله بأنه طلب لثباتهم على الإيمان الذي هم عليه، واختاره الجبائي. وهو الجاري على ألسنة أهل العلم، وبناء عليه جعلوا الآية شاهدا لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام. والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل الجنس، والتعريف للاستغراق يعني: والكتب التي أنزل الله من قبل القرآن، ويؤيده قوله بعده «وكتبه ورسله» . وقرأ نافع. وعاصم. وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف: «نزل- وأنزل» - كليهما بالبناء للفاعل- وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو- بالبناء للنائب-. وجاء في صلة وصف الكتاب الذي نزل على رسوله بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب الذي أنزل من قبل بصيغة الإفعال تفننا، أو لأن القرآن حينئذ بصدد النزول نجوما، والتوراة يومئذ قد انقضى نزولها. ومن قال: لأن القرآن أنزل منجما بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دفعة واحدة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢٣٠) ↗