البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

سورة النساء · الآية ١٣١

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن عموم ملكه العظيم الواسع، المستلزم تدبيره بجميع أنواع التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب. ولهذا قال: { وإن تكفروا } بأن تتركوا تقوى الله، وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئا، ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم، وأكثر مطيعون له خاضعون لأمره. ولهذا رتب على ذلك قوله: { وإن تكفروا فإن لله ما في السموت وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا } له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته، التي لا ينقصها الإنفاق، ولا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، لو اجتمع أهل السماوات وأهل الأرض، أولهم وآخرهم، فسأل كل [واحد] منهم ما بلغت أمانيه، ما نقص من ملكه شيئا، ذلك بأنه جواد واجد ماجد، عطاؤه كلام، وعذابه كلام، إنما أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي، في جميع أحوالهم وشؤونهم إليه، وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة، وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه وهداهم. وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد، ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال. وما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: {ولتكن منكم أمة} أي: منتصبة للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وأولئك هم المفلحون} قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} ثم قال: "الخير اتباع القرآن وسنتي" رواه ابن مردويه. والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (1) . وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي (2) صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم". ورواه الترمذي، وابن ماجه، من حديث عمرو بن أبي عمرو، به وقال الترمذي: حسن (3) والأحاديث في هذا الباب كثيرة مع الآيات الكريمة كما سيأتي تفسيرها في أماكنها. ثم قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [وأولئك لهم عذاب عظيم] (4) } ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني (5) عن

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٩١) ↗

التحرير والتنوير

ووجه قوله: من ذكر أو أنثى قصد التعميم والرد على من يحرم المرأة حظوظا كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب. وفي الحديث «وليشهدن الخير ودعوة المسلمين» . و (من) لبيان الإبهام الذي في (من) الشرطية في قوله: ومن يعمل من الصالحات. وقرأ الجمهور يدخلون- بفتح التحتية وضم الخاء-. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وروح عن يعقوب- بضم التحتية وفتح الخاء- على البناء للنائب. [125، 126] ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) الأظهر أن الواو للحال من ضمير يدخلون الجنة [النساء: 124] الذي ما صدقه المؤمنون الصالحون، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم. والاستفهام إنكاري. وانتصب دينا على التمييز. وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأن الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنسانا، وفي القرآن فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن [آل عمران: 20] . والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله: لنسفعا بالناصية [العلق: 15] ، ويقولون: أخذ بساقه، أي تمكن منه، وكأنه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام. وفي الحديث «الطلاق لمن أخذ بالساق» ويقولون: ألقى إليه القياد، وألقى إليه الزمام، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: يقول أنفي لك عان راغم ويقولون: يدي رهن لفلان. وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ووحدانيته. وقد تقدم ما فيه بيان لهذا عنا، قوله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] وقوله: ووصى بها إبراهيم بنيه [البقرة: 132] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢١٠) ↗