البيانابحثاسألالموضوعات

سورة النساء · الآية ١١٦

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ويعانده فيما جاء به { من بعد ما تبين له الهدى } بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية. { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وسبيلهم هو طريقهم في عقائدهم وأعمالهم { نوله ما تولى } أي: نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلا أن يبقيه في ضلاله حائرا، ويزداد ضلالا إلى ضلاله. كما قال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] وقال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة [الأنعام: 110]. ويدل مفهومها، على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله، واتباع رسوله، ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب أو الهم بها، ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه، بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه بحفظه، ويعصمه من السوء، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين [يوسف: 24] أي: بسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء، وكذلك كل مخلص، كما يدل عليه عموم التعليل. وقوله: { ونصله جهنم } أي: نعذبه فيها عذابا عظيما. { وسآءت مصيرا } أي: مرجعا له ومآلا. وهذا الوعيد المرتب على الشقاق، ومخالفة المؤمنين، مراتب لا يحصيها إلا الله، بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان. ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق. وهو: أن الشرك لا يغفره الله تعالى، لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته، وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات. فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق، الذي ليس …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قال مجاهد: {من قبل أن نطمس وجوها} يقول: عن صراط الحق، فنردها (1) على أدبارهم، أي: في الضلالة. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، والحسن نحو هذا. قال السدي: {فنردها على أدبارها} فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة. وقال ابن (2) زيد (3) نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز. وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم، قال: ألستم تقرؤون في كتابكم (4) {مثل الذين حملوا التوراة [ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل] (5) أسفارا} وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه عمر. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلا من أهلها حزينا، وهو يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} الآية. قال (6) كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين (7) . وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس (8) عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبعثه إليه ينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن، يقول: {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها} فبادرت الماء فاغتسلت وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت (9) . وقوله: {أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت} يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله: {أن يشرك به} [النساء: 48] في موضع نصب بوقوع يغفر عليها وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وذلك أن يوجه معناه: إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبا مع شرك أو عن شرك؛ وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون أن في موضع خفض في قول بعض أهل العربية.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٢١) ↗

التحرير والتنوير

الوعد بقبولها حتى جعلت كالحق على الله، ولا شيء بواجب على الله إلا وجوب وعده بفضله. قال ابن عطية: إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وجوبا. وقد تسلط الحصر على الخبر، وهو للذين يعملون، وذكر له قيدان وهما بجهالة ومن قريب. والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على العمل دون روية، وهي ما قابل الحلم، ولذلك تطلق الجهالة على الظلم. قال عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال تعالى، حكاية عن يوسف «وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين» . والمراد هنا ظلم النفس، وذكر هذا القيد هنا لمجرد تشويه عمل السوء، فالباء للملابسة، إذ لا يكون عمل السوء إلا كذلك. وليس المراد بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجهل، وهو انتفاء العلم بما فعله، لأن ذلك لا يسمى جهالة، وإنما هو من معاني لفظ الجهل، ولو عمل أحد معصية وهو غير عالم بأنها معصية لم يكن آثما ولا يجب عليه إلا أن يتعلم ذلك ويجتنبه. وقوله: من قريب، من فيه للابتداء وقريب صفة لمحذوف، أي من زمن قريب من وقت عمل السوء. وتأول بعضهم معنى من قريب بأن القريب هو ما قبل الاحتضار، وجعلوا قوله بعده حتى إذا حضر أحدهم الموت يبين المراد من معنى (قريب) . واختلف المفسرون من السلف ومن بعدهم في إعمال مفهوم القيدين «بجهالة- من قريب» حتى قيل: إن حكم الآية منسوخ بآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] ، والأكثر على أن قيد (بجهالة) كوصف كاشف لعمل السوء لأن المراد عمل السوء مع الإيمان. فقد روى عبد الرزاق عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل عمل عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو غيره.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٧٨) ↗