سورة النساء · الآية ١١٣
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44]. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس، في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كليهما، معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد، وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله: { بمآ أراك الله } أي: لا بهواك، بل بما علمك الله وألهمك، كقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3-4]. وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم العلم والعدل، لقوله: { بمآ أراك الله } ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط، نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل، فقال: { ولا تكن للخآئنين خصيما } أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. { واستغفر الله } مما صدر منك، إن صدر. { إن الله كان غفورا رحيما } أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك، الموجب لثوابه وزوال عقابه. { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم }. " الاختيان " و " الخيانة " بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
علي، رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله شيئا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يذنب (1) ذنبا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له". وقرأ هاتين الآيتين: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه [ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما] (2) } {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} الآية (3) . وقد تكلما على هذا الحديث، وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق، رضي الله عنه. وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضا. وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي قال: سمعت أبا بكر -هو الصديق - (4) يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقا على الله أن يغفر له؛ لأنه يقول: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه [ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما] (5) } . ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق -بنحوه. وهذا إسناد لا يصح (6) . وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وإنه قام فترك نعليه. قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته، فمضى ساعة، ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: "إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه: {من يعمل سوءا أو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله {لهمت طائفة منهم} [النساء: 113] يقول: " لهمت فرقة منهم، يعني من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم {أن يضلوك} [النساء: 113] يقول: " يزلوك عن طريق الحق، وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه صلى الله عليه وسلم وشهادتهم للخائن عنده بأنه بريء مما ادعي عليه، ومسألتهم إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته في أصحابه , فقال الله تبارك وتعالى: وما يضل هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم في أمر هذا الخائن درع جاره، إلا أنفسهم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٤٧٩) ↗التحرير والتنوير
وقوله ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم استئناف أثاره قوله: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، والمخاطب كل من يصلح للمخاطبة من المسلمين. والكلام جار مجرى الفرض والتقدير، أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين جادلوا عن بني أبيرق. والقول في تركيب ها أنتم هؤلاء تقدم في سورة البقرة [85] عند قوله تعالى: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتقدم نظيره في آل عمران [119] ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم. و (أم) في قوله: أم من يكون عليهم وكيلا منقطعة للإضراب الانتقالي. و (من) استفهام مستعمل في الإنكار. والوكيل مضى الكلام عليه عند قوله تعالى: وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران [173] . [110- 113] ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) اعتراض بتذييل بين جملة ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم وبين جملة: ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك [النساء: 109- 113] . وعمل السوء هو العصيان ومخالفة ما أمر به الشرع ونهى عنه. وظلم النفس شاع إطلاقه في القرآن على الشرك والكفر، وأطلق أيضا على ارتكاب المعاصي. وأحسن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٩٥) ↗