سورة النساء · الآية ١٠٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا [الأنعام: 115] وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44]. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس، في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كليهما، معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد، وفي جميع مسائل الأحكام. وقوله: { بمآ أراك الله } أي: لا بهواك، بل بما علمك الله وألهمك، كقوله تعالى: وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3-4]. وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم العلم والعدل، لقوله: { بمآ أراك الله } ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن للعدل والقسط، نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل، فقال: { ولا تكن للخآئنين خصيما } أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم. { واستغفر الله } مما صدر منك، إن صدر. { إن الله كان غفورا رحيما } أي: يغفر الذنب العظيم لمن استغفره وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك، الموجب لثوابه وزوال عقابه. { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم }. " الاختيان " و " الخيانة " بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… رأى السارق (2) ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء. وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه. فإنه إلا (3) يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رءوس الناس، فأنزل الله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (4) } [يقول: احكم بما أنزل الله إليك في الكتاب] (5) {واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما. ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم [إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما] (6) } ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله [وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا] (7) } يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين يجادلون عن الخائنين ثم قال: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه [ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما] (8) } يعني: الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب، ثم قال: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق. وهذا سياق غريب (9) وكذا (10) ذكر مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها أنزلت (11) في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة. وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حدثنا محمد بن سلمة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكتاب، يعني القرآن {لتحكم بين الناس} [النساء: 105] لتقضي بين الناس , فتفصل بينهم {بما أراك الله} [النساء: 105] يعني: بما أنزل الله إليك من كتابه {ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] يقول: " ولا تكن لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله، خصيما تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. {واستغفر الله} [النساء: 106] يا محمد وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالا لغيره {إن الله كان غفورا رحيما} [النساء: 23] يقول: «إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيما بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن. وقد قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٤٥٧) ↗التحرير والتنوير
والابتغاء مصدر ابتغى بمعنى بغى المتعدي، أي الطلب، وقد تقدم عند قوله: أفغير دين الله يبغون في سورة آل عمران [83] . والمراد به هنا المبادأة بالغزو، وأن لا يتقاعسوا، حتى يكون المشركون هم المبتدئين بالغزو. تقول العرب: طلبنا بني فلان، أي غزوناهم. والمبادئ بالغزو له رعب في قلوب أعدائه. وزادهم تشجيعا على طلب العدو بأن تألم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كل يخشى بأس الآخر، وبأن للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلها. وقوله: من الله متعلق ب ترجون. وحذف العائد المجرور بمن من جملة ما لا يرجون لدلالة حرف الجر الذي جر به اسم الموصول عليه، ولك أن تجعل ما صدق ما لا يرجون هو النصر، فيكون وعدا للمسلمين بأن الله ناصرهم، وبشارة بأن المشركين لا يرجون لأنفسهم نصرا، وأنهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وهذا مما يفت في ساعدهم. وعلى هذا الوجه يكون قوله: من الله اعتراضا أو حالا مقدمة على المجرور بالحرف، والمعنى على هذا كقوله: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: 11] . [105- 109] 109] إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا (109)
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٩٠) ↗