البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة النساء · الآية ١٠٤

﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وهن القلب مستدع لوهن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم. ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين: الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك، فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى. الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية، وآمال رفيعة، من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد، وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: { وكان الله عليما حكيما } كامل العلم، كامل الحكمة.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ١٠٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها. {وكان الله عليما حكيما} أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه، وينفذه ويمضيه، من أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال. يقول تعالى مخاطبا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه. وقوله: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان، عليه السلام، له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع حلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها (1) أو ليذرها" (2) . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما (3) بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما (4) صاحبه". وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد، به. وزاد: "إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٤٠٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ابتغاء القوم} [النساء: 104] يعني في التماس القوم وطلبهم، والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك بالله {إن تكونوا تألمون} [النساء: 104] يقول: " إن تكونوا أيها المؤمنون تيجعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا {فإنهم يألمون كما تألمون} [النساء: 104] يقول: " فإن المشركين ييجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى، مثل ما تيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٤٥٢) ↗

التحرير والتنوير

به القفول من الغزو، لأن في الرجوع إلى الأوطان سكونا من قلاقل السفر واضطراب البدن، فإطلاق الاطمئنان عليه يشبه أن يكون حقيقة، وليس المراد الاطمئنان الذي هو عدم الخوف لعدم مناسبته هنا، وقد تقدم القول في الاطمئنان عند قوله تعالى: ولكن ليطمئن قلبي من سورة البقرة [260] . ومعنى: فأقيموا الصلاة صلوها تامة ولا تقصروها، هذا قول مجاهد وقتادة، فيكون مقابل قوله: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [النساء: 101] ، وهو الموافق لما تقدم من كون الوارد في القرآن هو حكم قصر الصلاة في حال الخوف، دون قصر السفر من غير خوف. فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائما أي تاما، على وجه التمثيل كقوله تعالى: وأقيموا الوزن بالقسط [الرحمن: 9] وقوله: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [الشورى: 13] . وهذا قول جمهور الأيمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤدي المجاهد الصلاة حتى يزول الخوف، لأنه رأى مباشرة القتال فعلا يفسد الصلاة. وقوله تعالى: وإذا ضربتم في الأرض إلى قوله: فإذا اطمأننتم [النساء: 101- 103] يرجح قول الجمهور، لأن قوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا مسوق مساق التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها. والموقوت: المحدود بأوقات، والمنجم عليها، وقد يستعمل بمعنى المفروض على طريق المجاز. والأول أظهر هنا. [104] ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) عطف على جملة وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا [النساء: 102] زيادة في تشجيعهم على قتال الأعداء، وفي تهوين الأعداء في قلوب المسلمين، لأن المشركين كانوا أكثر عددا من المسلمين وأتم عدة، وما كان شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف، إلا تحقيقا لنفي الوهن في الجهاد.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٨٩) ↗