البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزمر · الآية ٥٤

﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: { قل } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله، مخبرا للعباد عن ربهم: { يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. { لا تقنطوا من رحمة الله } أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. { إنه هو الغفور الرحيم } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم، ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: { وأنيبوا إلى ربكم } بقلوبكم { وأسلموا له } بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا. وفي قوله { إلى ربكم وأسلموا له } دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. { من قبل أن يأتيكم العذاب } مجيئا لا يدفع { ثم لا تنصرون } فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟ …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه [الآية] (1) على غير توبة (2) ؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جريج أخبرهم: قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس (3) [رضي الله عنهما] (4) ؛ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان:68] ، ونزل [قوله] (5) : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} . وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به (6) . والمراد من الآية الأولى قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} الآية. [الفرقان:70] . وقال (7) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المري (8) يقول: سمعت (9) ثوبان -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم-يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} إلى آخر الآية، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت النبي (10) صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا ومن أشرك" ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد (11) . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا سريج (12) بن النعمان، حدثنا روح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن (13) عمرو بن عبسة (14) قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله إن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيده، وإفراد الألوهة له، وإخلاص العبادة له

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٣١) ↗

التحرير والتنوير

54] وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) لما فتح لهم باب الرجاء أعقبه بالإرشاد إلى وسيلة المغفرة معطوفا بالواو وللدلالة على الجمع بين النهي عن القنوط من الرحمة وبين الإنابة جمعا يقتضي المبادرة، وهي أيضا مقتضى صيغة الأمر. والإنابة: التوبة ولما فيها وفي التوبة من معنى الرجوع عدي الفعلان بحرف إلى. والمعنى: توبوا إلى الله مما كنتم فيه من الشرك بأن توحدوه. وعطف عليه الأمر بالإسلام، أي التصديق بالنبيء صلى الله عليه وسلم والقرآن واتباع شرائع الإسلام. وفي قوله: من قبل أن يأتيكم العذاب إيذان بوعيد قريب إن لم ينيبوا ويسلموا كما يلمح إليه فعل يأتيكم. والتعريف في العذاب تعريف الجنس، وهو يقتضي أنهم إن لم ينيبوا ويسلموا يأتهم العذاب. والعذاب منه ما يحصل في الدنيا إن شاءه الله وهذا خاص بالمشركين، وأما المسلمون فقد استعاذ لهم منه الرسول صلى الله عليه وسلم حين نزل: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم كما تقدم في سورة الأنعام [65] ، ومن العذاب عذاب الآخرة وهو جزاء الكفر والكبائر. وهذا الخطاب يأخذ كل فريق منه بنصيب، فنصيب المشركين الإنابة إلى التوحيد واتباع دين الإسلام، ونصيب المؤمنين منه التوبة إذا أسرفوا على أنفسهم والإكثار من الحسنات وأما الإسلام فحاصل لهم. والنصر: الإعانة على الغلبة بحيث ينفلت المغلوب من غلبة قاهره كرها على القاهر ولا نصير لأحد على الله.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٤٣) ↗