سورة الزمر · الآية ٣١
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال، أمثال أهل الخير وأمثال أهل الشر، وأمثال التوحيد والشرك، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء، والحكمة في ذلك { لعلهم يتذكرون } عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ويعملون. { قرآنا عربيا غير ذي عوج } أي: جعلناه قرآنا عربيا، واضح الألفاظ، سهل المعاني، خصوصا على العرب. { غير ذي عوج } أي: ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا في ألفاظه ولا في معانيه، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما [الكهف: 1-2]. { لعلهم يتقون } الله تعالى، حيث سهلنا عليهم طرق التقوى العلمية والعملية، بهذا القرآن العربي المستقيم، الذي ضرب الله فيه من كل مثل. ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضرب الله مثلا رجلا } أي: عبدا { فيه شركآء متشاكسون } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ { ورجلا سلما لرجل } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة. { هل يستويان } أي: هذان الرجلان { مثلا }؟ لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه الله من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، ف { هل يستويان مثلا الحمد لله } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال. { بل أكثرهم لا يعلمون }. { إنك ميت وإنهم ميتون } أي: كلكم لا بد أن يموت وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون [الأنبياء: 34]. { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي كلا ما عمله أحصاه الله ونسوه [المجادلة: 6].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٢٧–٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الآية -وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة-فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. قال (6) ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن ابن حاطب -يعني يحيى بن عبد الرحمن-عن ابن الزبير، عن الزبير قال: لما نزلت: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة؟ قال: "نعم". قال: إن الأمر إذا لشديد. وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان، وعنده زيادة: ولما نزلت: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٩٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قومك والمؤمنين منهم ميتون {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} [الزمر: 31] يقول: ثم إن جميعكم المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم، ويفصل بين جميعكم بالحق واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: عنى به اختصام المؤمنين والكافرين، واختصام المظلوم والظالم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٠٠) ↗التحرير والتنوير
فكأنهم قالوا: لا يستويان، وذلك هو ما يبتغيه المتكلم من استفهامه، فلما وافق جوابهم بغية المستفهم حمد الله على نهوض حجته، فتكون الجملة استئنافا، فموقعها كموقع النتيجة بعد الدليل، وتكون جملة بل أكثرهم لا يعلمون قرينة على أنهم نزلوا منزلة من علم فأقر وأنهم ليسوا كذلك في نفس الأمر، ويجوز أن تكون معترضة إذا جعل الاستفهام إنكاريا فتكون معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي في قوله بل أكثرهم لا يعلمون أي لا يعلمون عدم استواء الحالتين ولو علموا لاختاروا لأنفسهم الحسنى منهما، ولما أصروا على الإشراك. وأفاد هذا أن ما انتحلوه من الشرك وتكاذيبه لا يمت إلى العلم بصلة فهو جهالة واختلاق. وبل للإضراب الانتقالي. وأسند عدم العلم لأكثرهم لأن أكثرهم عامة أتباع لزعمائهم الذين سنوا لهم الإشراك وشرائعه انتفاعا بالجاه والثناء الكاذب بحيث غشى ذلك على عملهم. [30- 31] إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) لما جرى الكلام من أول السورة في مهيع إبطال الشرك وإثبات الوحدانية للإله، وتوضيح الاختلاف بين حال المشركين وحال الموحدين المؤمنين بما ينبىء بتفضيل حال المؤمنين، وفي مهيع إقامة الحجة على بطلان الشرك وعلى أحقية الإيمان، وإرشاد المشركين إلى التبصر في هذا القرآن، وتخلل في ذلك ما يقتضي أنهم غير مقلعين عن باطلهم، وختم بتسجيل جهلهم وعدم علمهم، ختم هذا الغرض بإحالتهم على حكم الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة حين لا يستطيعون إنكارا، وحين يلتفتون فلا يرون إلا نارا. وقدم لذلك تذكيرهم بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت فإن الموت آخر ما يذكر به السادر في غلوائه إذا كان قد اغتر بعظمة الحياة ولم يتفكر في اختيار طريق السلامة والنجاة، وهذا من انتهاز القرآن فرص الإرشاد والموعظة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٤٠٣) ↗