سورة الزمر · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي { قل } يا أيها الرسول للناس: { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } في قوله في أول السورة: فاعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 2]. { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } لأني الداعي الهادي للخلق إلى ربهم، فيقتضي أني أول من ائتمر بما آمر به، وأول من أسلم، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلى الله عليه وسلم، وممن زعم أنه من أتباعه، فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، والإخلاص لله في الأعمال الظاهرة والباطنة. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام. { عذاب يوم عظيم } يخلد فيه من أشرك، ويعاقب فيه من عصى. { قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه } كما قال تعالى: قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي دين [الكافرون: 1-6]. { قل إن الخاسرين } حقيقة هم { الذين خسروا أنفسهم } حيث حرموها الثواب، واستحقت بسببهم وخيم العقاب { وأهليهم يوم القيامة } أي فرق بينهم وبينهم، واشتد عليهم الحزن، وعظم الخسران. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي ليس مثله خسران، وهو خسران مستمر، لا ربح بعده، بل ولا سلامة. ثم ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال: { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم { ومن تحتهم ظلل }. { ذلك } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار، سوط يسوق الله به عباده إلى رحمته، { يخوف الله به عباده يعباد فاتقون } أي جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى، وزاجر عما يوجب العذاب فسبحان من رحم عباده في كل شيء، وسهل لهم الطرق الموصلة إليه، وحثهم على سلوكها، ورغبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس وتطمئن له القلوب، وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير، وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ١١–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ، وهو يوم القيامة. وهذا شرط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، {قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} وهذا أيضا تهديد وتبر (1) منهم، {قل إن الخاسرين} أي: إنما الخاسرون كل الخسران (2) {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، {ذلك هو الخسران المبين} أي: هذا هو الخسار البين الظاهر الواضح. ثم وصف حالهم في النار فقال: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} كما قال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين} [الأعراف:41] ، وقال: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت:55] . وقوله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله: {يا عباد فاتقون} أي: اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف:145] . {أولئك الذين هداهم الله} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة (3) ، أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الألباب} يقول تعالى ذكره لهؤلاء الخاسرين يوم القيامة في جهنم: {من فوقهم ظلل من النار} [الزمر: 16] وذلك كهيئة الظلل المبنية من النار {ومن تحتهم ظلل} [الزمر: 16] يقول: ومن تحتهم من النار ما يعلوهم، حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم ظللا، وذلك نظير قوله جل ثناؤه لهم: {من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} [الأعراف: 41] يغشاهم مما تحتهم فيها من المهاد
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٨٢) ↗التحرير والتنوير
… هو بمنزلة الفذلكة والنتيجة من الكلام السابق لأن وصف الذين خسروا بأنهم خسروا أحب ما عندهم وبأنهم الذين انحصر فيهم جنس الخاسرين، يستخلص منه أن خسارتهم أعظم خسارة وأوضحها للعيان، ولذلك أوثرت خسارتهم باسم الخسران الذي هو اسم مصدر الخسارة دال على قوة المصدر والمبالغة فيه. وأشير إلى العناية والاهتمام بوصف خسارتهم، بأن افتتح الكلام بحرف التنبيه داخلا على اسم الإشارة المفيد تمييز المشار إليه أكمل تمييز، وبتوسط ضمير الفصل المفيد للقصر وهو قصر ادعائي، والقول فيه كالقول في الحصر في قوله: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم. [16] لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. بدل اشتمال من جملة ألا ذلك هو الخسران المبين [الزمر: 15] ، وخص بالإبدال لأنه أشد خسرانهم عليهم لتسلطه على إهلاك أجسامهم. والخسران يشتمل على غير ذلك من الخزي وغضب الله واليأس من النجاة. فضمير لهم عائد إلى مجموع أنفسهم وأهليهم [الزمر: 15] . والظلل: اسم جمع ظلة، وهي شيء مرتفع من بناء أو أعواد مثل الصفة يستظل به الجالس تحته، مشتقة من الظل لأنها يكون لها ظل في الشمس، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام في سورة البقرة [210] ، وقوله: وإذا غشيهم موج كالظلل في سورة لقمان [32] . وهي هنا استعارة للطبقة التي تعلو أهل النار في نار جهنم بقرينة قوله: من النار، شبهت بالظلة في العلو والغشيان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٦١) ↗