سورة ص · الآية ٨٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك: { إنمآ أنا منذر } هذا نهاية ما عندي، وأما الأمر فلله تعالى، ولكني آمركم وأنهاكم وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها { وما من إله إلا الله } أي: ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا الله { الواحد القهار } هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهارين متساويين في قهرهما أبدا. فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرا وحده، وقرر ذلك أيضا بتوحيد الربوبية فقال: { رب السموت والأرض وما بينهما } أي: خالقهما، ومربيهما، ومدبرها بجميع أنواع التدابير. { العزيز } الذي له القوة، التي بها خلق المخلوقات العظيمة. { الغفار } لجميع الذنوب، صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد، دون من لا يخلق ولا يرزق، ولا يضر ولا ينفع، ولا يملك من الأمر شيئا، وليس له قوة الاقتدار، ولا بيده مغفرة الذنوب والأوزار. { قل } لهم، مخوفا ومحذرا، ومنهضا لهم ومنذرا: { هو نبأ عظيم } أي: ما أنبأتكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفاله، ولكن { أنتم عنه معرضون } كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب، فإن شككتم في قولي، وامتريتم في خبري، فإني أخبركم بأخبار لا علم لي بها ولا درستها في كتاب، فإخباري بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، أكبر شاهد لصدقي، وأدل دليل على حق ما جئتكم به، ولهذا قال: { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى } أي: الملائكة { إذ يختصمون } لولا تعليم الله إياي، وإيحاؤه إلي، ولهذا قال: { إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } أي: ظاهر النذارة، جليها، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر اختصام الملأ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… (1) باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه وسماه "إبليس" إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال: {لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين} كما قال: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء: 62] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي (2) قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} [الإسراء: 65] وقوله: {قال فالحق والحق. أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع "الحق" الأولى (3) وفسره مجاهد بأن معناه: أنا الحق، والحق أقول وفي رواية عنه: الحق مني، وأقول الحق. وقرأ آخرون بنصبهما. قال السدي: هو قسم أقسم الله به. قلت: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13] وكقوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} [الإسراء: 63] يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا {وما أنا من المتكلفين} أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة. قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لا (4) يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم فإن الله (5) قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} أخرجاه (6) من حديث الأعمش به (7)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
رفع الحق الأول إذا قرئ كذلك وجهان: أحدهما رفعه بضمير لله الحق، أو أنا الحق وأقول الحق والثاني: أن يكون مرفوعا بتأويل قوله: {لأملأن} [الأعراف: 18] فيكون معنى الكلام حينئذ: فالحق أن أملأ جهنم منك، كما يقول: عزمة صادقة لآتينك، فرفع عزمة بتأويل لآتينك، لأن تأويله أن آتيك، كما قال: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه} [يوسف: 35] فلا بد لقوله: {بدا لهم} [الأنعام: 28] من مرفوع، وهو مضمر في المعنى وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض المكيين والكوفيين بنصب الحق الأول والثاني كليهما، بمعنى: حقا لأملأن جهنم والحق أقول، ثم أدخلت الألف واللام عليه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم: حمدا لله، والحمد لله عندهم إذا نصب وقد يحتمل أن يكون نصبه على وجه الإغراء بمعنى: الزموا الحق،
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٤٨) ↗التحرير والتنوير
الدائمة وهذا التفريع من تركيب كلام متكلم على كلام متكلم آخر. وهو الملقب بعطف التلقين في قوله تعالى: قال ومن ذريتي في سورة البقرة [124] . أقسم الشيطان بعزة الله تحقيقا لقيامه بالإغواء دون تخلف، وإنما أقسم على ذلك وهو يعلم عظمة هذا القسم لأنه وجد في نفسه أن الله أقدره على القيام بالإغواء والوسوسة وقد قال في سورة الحجر [39] : رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. والعزة: القهر والسلطان، وعزة الله هي العزة الكاملة التي لا تختل حقيقتها ولا يتخلف سلطانها، وقسم إبليس بها ناشىء عن علمه بأنه لا يستطيع الإغواء إلا لأن الله أقدره ولولا ذلك لم يستطع نقض قدرة الله تعالى. وتقدم تفسير نظير: ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين في سورة [الحجر: 40] . [84- 85] 85] قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) أي قال الله تعالى تفريعا، وهذا التفريع نظير التفريع في قوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص: 82] . وقوبل تأكيد عزمه الذي دل عليه قوله فبعزتك [ص: 82] بتأكيد مثله، وهو لفظ الحق الدال على أن ما بعده حق ثابت لا يتخلف، ولم يزد في تأكيد الخبر على لفظ الحق تذكيرا بأن وعد الله تعالى حق لا يحتاج إلى قسم عليه ترفعا من جلال الله عن أن يقابل كلام الشيطان بقسم مثله. ولذلك زاد هذا المعنى تقريرا بالجملة المعترضة وهي والحق أقول الذي هو بمعنى: لا أقول إلا الحق، ولا حاجة إلى القسم. وقرأ الجمهور: فالحق بالنصب وانتصابه على المفعولية المطلقة بدلا عن فعل من لفظه محذوف تقديره: أحق، أي أوجب وأحقق. وأصله التنكير، فتعريفه باللام تعريف الجنس كالتعريف في: أرسلها العراك، فهو في حكم النكرة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٠٦) ↗