سورة ص · الآية ٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا بيدك: { إنمآ أنا منذر } هذا نهاية ما عندي، وأما الأمر فلله تعالى، ولكني آمركم وأنهاكم وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها { وما من إله إلا الله } أي: ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا الله { الواحد القهار } هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهارين متساويين في قهرهما أبدا. فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرا وحده، وقرر ذلك أيضا بتوحيد الربوبية فقال: { رب السموت والأرض وما بينهما } أي: خالقهما، ومربيهما، ومدبرها بجميع أنواع التدابير. { العزيز } الذي له القوة، التي بها خلق المخلوقات العظيمة. { الغفار } لجميع الذنوب، صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد، دون من لا يخلق ولا يرزق، ولا يضر ولا ينفع، ولا يملك من الأمر شيئا، وليس له قوة الاقتدار، ولا بيده مغفرة الذنوب والأوزار. { قل } لهم، مخوفا ومحذرا، ومنهضا لهم ومنذرا: { هو نبأ عظيم } أي: ما أنبأتكم به من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفاله، ولكن { أنتم عنه معرضون } كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب، فإن شككتم في قولي، وامتريتم في خبري، فإني أخبركم بأخبار لا علم لي بها ولا درستها في كتاب، فإخباري بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، أكبر شاهد لصدقي، وأدل دليل على حق ما جئتكم به، ولهذا قال: { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى } أي: الملائكة { إذ يختصمون } لولا تعليم الله إياي، وإيحاؤه إلي، ولهذا قال: { إن يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } أي: ظاهر النذارة، جليها، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر اختصام الملأ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه. وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله، وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن (1) باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه وسماه "إبليس" إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال: {لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين} كما قال: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء: 62] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي (2) قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} [الإسراء: 65] وقوله: {قال فالحق والحق. أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع "الحق" الأولى (3) وفسره مجاهد بأن معناه: أنا الحق، والحق أقول وفي رواية عنه: الحق مني، وأقول الحق. وقرأ آخرون بنصبهما. قال السدي: هو قسم أقسم الله به. قلت: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13] وكقوله تعالى: {قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا} [الإسراء: 63] يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا {وما أنا من المتكلفين} أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة. قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لا (4) يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم فإن الله (5) قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيما مضى على اختلاف أهل العلم فيه وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] يقول تعالى ذكره: قال إبليس: فبعزتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خلقك {لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] يقول: لأضلن بني آدم أجمعين {إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر: 40] يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمته من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] قال: «علم عدو الله أنه ليست له عزة»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٤٨) ↗التحرير والتنوير
المخلوق كائن مركب من عناصر وأجزاء متفاوتة والتركيب قد يدخل على المادة الأولى شرفا وقد يدخل عليها حقارة، والتفاضل إنما يتقوم من الكمال في الذات والآثار. [77- 78] 78] قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) عاقبه الله على ما برز من نفسانيته فخالف ما كان من طريقته فأطرده من الملأ الأعلى ومن الجنة، وضمير قال عائد إلى الله تعالى على طريقة حكاية المقاولات. وفرع أمره بالخروج من الجنة بالفاء على ما تقدمه من السؤال والجواب لأن جوابه دل على كون خبث في نفسه بدت آثاره في عمله فلم يصلح لمخالطة أهل الملأ الأعلى. وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة الحجر. واللعنة: الإبعاد من رحمة الله، وأضيف إلى الله لتشنيع متعلقها وهو الملعون لأن الملعون من جانب الله هو أشنع ملعون. وجعل يوم الدين غاية اللعنة للدلالة على دوامها مدة هذه الحياة كلها ليستغرق الأزمنة كلها، وليس المراد حصول ضد اللعنة له يوم الدين أعني الرحمة لأن يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال فجزاء الملعون العذاب الأليم كما أنبأ بذلك التعبير ب يوم الدين دون: يوم يبعثون [ص: 79] ، أو يوم الوقت المعلوم [ص: 81] . [79- 81] قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) أي قال إبليس. وتقدم نظير هذه الآية في سورة الحجر وتفسيرها هناك مستوفى. [82- 83] قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) الفاء لتفريع كلامه على أمر الله إياه بالخروج من الجنة وعقابه إياه باللعنة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٠٥) ↗