سورة ص · الآية ٦١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ هذا } الجزاء للمتقين ما وصفناه { وإن للطاغين } أي: المتجاوزين للحد في الكفر والمعاصي { لشر مآب } أي: لشر مرجع ومنقلب، ثم فصله فقال: { جهنم } التي جمع فيها كل عذاب، واشتد حرها، وانتهى قرها { يصلونها } أي: يعذبون فيها عذابا يحيط بهم من كل وجه، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. { فبئس المهاد } المعد لهم مسكنا ومستقرا { هذا } المهاد، هذا العذاب الشديد، والخزي والفضيحة والنكال. { فليذوقوه حميم } ماء حار، قد اشتد حره، يشربونه فيقطع أمعاءهم. { وغساق } وهو أكره ما يكون من الشراب، من قيح وصديد، مر المذاق، كريه الرائحة. { وآخر من شكله } أي: من نوعه { أزواج } أي: عدة أصناف من أصناف العذاب، يعذبون بها ويخزون بها. وعند تواردهم على النار يشتم بعضهم بعضا، ويقول بعضهم لبعض: { هذا فوج مقتحم معكم } النار { لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار }. { قالوا } أي: الفوج المقبل المقتحم: { بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه } أي: العذاب { لنا } بدعوتكم لنا، وفتنتكم وإضلالكم وتسببكم. { فبئس القرار } قرار الجميع، قرار السوء والشر. ثم دعوا على المغوين لهم، ف { قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار }. وقال في الآية الأخرى: قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون [الأعراف: 38]. { وقالوا } وهم في النار: { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } أي: كنا نزعم أنهم من الأشرار، المستحقين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تفقدهم أهل النار - قبحهم الله - هل يرونهم في النار؟ { أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار } أي: عدم رؤيتنا لهم دائر بين أمرين: إما أننا غالطون في عدنا إياهم من الأشرار، بل هم من الأخيار، وإنما كلامنا لهم من باب السخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع، كما قال تعالى لأهل النار: إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إنهم صالوا النار} هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: {كلما دخلت أمة لعنت أختها} [الأعراف: 38] يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون (4) ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: {هذا فوج مقتحم} أي: داخل معكم {لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار} [أي] (5) لأنهم من أهل جهنم (6) {قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم} أي: فيقول لهم الداخلون: {بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا} أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير {فبئس القرار} أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير. {قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار} كما قال عز وجل (7) {قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] أي: لكل منكم عذاب بحسبه {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار} هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما لنا لا نراهم معنا في النار؟. قال (8) مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا. وهذا مثل ضرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم: يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار} أي: في الدنيا (9) {أم زاغت عنهم الأبصار} يسلون أنفسهم بالمحال يقولون: أو لعلهم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٧٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذي يوجب لهم النار التي وردوها، وسكنى المنزل الذي سكنوه منها ويعنون بقولهم {هذا} [البقرة: 25] العذاب الذي وردناه {فزده عذابا ضعفا في النار} [ص: 61] يقولون: فأضعف له العذاب في النار على العذاب الذي هو فيه فيها، وهذا أيضا من دعاء الأتباع للمتبوعين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٣٥) ↗التحرير والتنوير
قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) قالوا أي الفوج المقتحم وهو فوج الأتباع، فهذا من كلام الذين قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم [ص: 60] لأن قولهم: من قدم لنا هذا يعين هذا المحمل. ولذلك حق أن يتساءل الناظر عن وجه إعادة فعل قالوا وعن وجه عدم عطفه على قولهم الأول. فأما إعادة فعل القول فلإفادة أن القائلين هم الأتباع فأعيد فعل القول تأكيدا للفعل الأول لقصد تأكيد فاعل القول تبعا لأنه محتمل لضمير القائلين. والمقصود من حكاية قولهم: هذا تحذير كبراء المشركين من عواقب رئاستهم وزعامتهم التي يجرون بها الويلات على أتباعهم فيوقعونهم في هاوية السوء حتى لا يجد الأتباع لهم جزاء بعد الفوت إلا طلب مضاعفة العذاب لهم. وأما تجريد فعل قالوا عن العاطف فلأنه قصد به التوكيد اللفظي والتوكيد اللفظي يكون على مثال الموكد. ولا تلتبس حكاية هذا القول على هذه الكيفية بحكاية المحاورات فيحسب أنه من كلام الفريق الآخر لأن الدعاء بعنوان من قدم لنا هذا يعين أن قائليه هم القائلون أنتم قدمتموه لنا [ص: 60] ، وأن الذين قدموا لهم هم الطاغون. وفي معنى هذه الآية آية سورة الأعراف [38] قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار. ومن في قوله: من قدم لنا هذا موصولة، وجملة فزده خبر عن من، واقتران الخبر بالفاء جرى على معاملة الموصول معاملة الشرط في قرن خبره بالفاء وهو كثير، وتقدم عند قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم في سورة براءة [34] . والضعف، بكسر الضاد: يستعمل اسم مصدر ضعف وضاعف، فهو اسم التضعيف والمضاعفة، أي تكرير المقدار وتكرير القوة، وهو من الألفاظ المتضايفة المعاني كالنصف والزوج.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٩١) ↗