سورة ص · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار * هذا ذكر }. أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، وأثن عليهم أحسن الثناء، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال، من الأعمال، والأخلاق، والصفات الحميدة، والخصال السديدة. { هذا } أي: ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة وذكر أوصافهم، { ذكر } في هذا القرآن ذي الذكر، يتذكر بأحوالهم المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون، ويعرف ما من الله عليهم به من الأوصاف الزكية، وما نشر لهم من الثناء بين البرية. فهذا نوع من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير، ومن أنواع الذكر، ذكر جزاء أهل الخير وأهل الشر، ولهذا قال: { وإن للمتقين لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الأبواب * متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات الطرف أتراب * هذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هذا لرزقنا ما له من نفاد }. أي: { وإن للمتقين } ربهم، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، من كل مؤمن ومؤمنة، { لحسن مآب } أي: لمآبا حسنا، ومرجعا مستحسنا. ثم فسره وفصله، فقال: { جنات عدن } أي: جنات إقامة، لا يبغي صاحبها بدلا منها، من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا بخارجين منها ولا بمخرجين. { مفتحة لهم الأبواب } أي: مفتحة لأجلهم أبواب منازلها ومساكنها، لا يحتاجون أن يفتحوها هم ، بل هم مخدومون، وهذا دليل أيضا على الأمان التام، وأنه ليس في جنات عدن، ما يوجب أن تغلق لأجله أبوابها. { متكئين فيها } على الأرائك المزينات، والمجالس المزخرفات. { يدعون فيها } أي: يأمرون خدامهم، أن يأتوا { بفاكهة كثيرة وشراب } من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم، وهذا يدل على كمال النعيم، وكمال الراحة والطمأنينة، وتمام اللذة. { وعندهم } من أزواجهم، الحور العين { قاصرات } طرفهن على أزواجهن، وطرف أزواجهن عليهن، لجمالهم كلهم، ومحبة كل منهما للآخر، وعدم طموحه لغيره، وأنه لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا. {وشراب} أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام {بأكواب وأباريق وكأس من معين} [الواقعة: 18] {وعندهم قاصرات الطرف} أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن {أتراب} أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي. {هذا ما توعدون ليوم الحساب} أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي (1) وعدها لعباده المتقين التي (2) يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار. ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} كقوله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] وكقوله {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] وكقوله {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8] أي: غير مقطوع وكقوله: {أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35] والآيات في هذا كثيرة جدا. لما ذكر تعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: {هذا وإن للطاغين} وهم: الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله {لشر مآب} أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: {جهنم يصلونها} أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم {فبئس المهاد. هذا فليذوقوه حميم وغساق} أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره وأما الغساق فهو: ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال: {وآخر من شكله أزواج} أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها. قال (1) الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم (2) عن أبي سعيد (3) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا" (4)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٧٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فلا يردن غيرهم، ولا يمددن أعينهن إلى سواهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٢٣) ↗التحرير والتنوير
فبنا أن نطلب الدقيقة التي حسنت في هذه الآية عطف اليسع وذي الكفل على إسماعيل. فأما عطف اليسع على إسماعيل فلأن اليسع كان مقامه في بني إسرائيل كمقام إسماعيل في بني إبراهيم لأن اليسع كان بمنزلة الابن للرسول إلياس (إيليا) وكان إلياس يدافع ملوك يهوذا وملوك إسرائيل عن عبادة الأصنام، وكان اليسع في إعانته كما كان إسماعيل في إعانة إبراهيم، وكان إلياس لما رفع إلى السماء قام اليسع مقامه كما هو مبين في سفر «الملوك الثاني» الأصحاح (1- 2) . وأما عطف ذي الكفل على إسماعيل فلأنه مماثل لإسماعيل في صفة الصبر قال الله تعالى في سورة الأنبياء [85] وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين. وقرأ الجمهور اليسع بهمزة وصل وبلام واحدة وهي من أصل الاسم في اللغة العبرانية فعربته العرب باللام وليست لام التعريف، فدع عنك ما أطالوا به. وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل وبلامين وتشديد الثانية وهو أقرب إلى أصله العبراني وهو اسم أعجمي معرب، والهمزة واللام، أو واللامان أصلية. وتنوين كل في قوله: وكل من الأخيار عوض عن المضاف إليه، أي وكل أولئك الثلاثة من الأخيار. وتقدم ذكر اليسع في سورة الأنعام، وذكر ذي الكفل في سورة الأنبياء. [49- 52] هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ذكر جملة فصلت الكلام السابق عن الكلام الآتي بعدها قصدا لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة: أما بعد فكذا ومثل اسم الإشارة المجرد نحو هذا وإن للطاغين لشر مآب [ص: 55] ، وقوله: ذلك ومن يعظم حرمات الله [الحج: 30] ، وذلك ومن يعظم شعائر الله، في سورة الحج [32] . قال في «الكشاف» : وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٨٠) ↗