سورة ص · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما الله فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه وغفر له، وقيض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وهل أتاك نبؤا الخصم } فإنه نبأ عجيب { إذ تسوروا } على داود { المحراب } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف، فقالوا له: نحن { خصمان } فلا تخف { بغى بعضنا على بعض } بالظلم { فاحكم بيننا بالحق } أي: بالعدل، ولا تمل مع أحدنا { ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط }. والمقصود من هذا، أن الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف، وإذا كان ذلك، فسيقصان عليه نبأهما بالحق، فلم يشمئز نبي الله داود من وعظهما له، ولم يؤنبهما. فقال أحدهما: { إن هذآ أخي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره. { له تسع وتسعون نعجة } أي: زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما آتاه الله. { ولي نعجة واحدة } فطمع فيها { فقال أكفلنيها } أي: دعها لي، وخلها في كفالتي. { وعزني في الخطاب } أي: غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد. فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر؟ " { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وهذه عادة الخلطاء والقرناء الكثير منهم، فقال: { وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض } لأن الظلم من صفة النفوس. { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم. { وقليل ما هم } كما قال تعالى وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] { وظن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن (1) يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا. وقوله: { [إذ دخلوا على داود] ففزع منهم} (2) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما. وقوله: {وعزني في الخطاب} أي: غلبني يقال: عز يعز: إذا قهر وغلب. وقوله: {وظن داود أنما فتناه} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه. وقوله: {وخر راكعا} أي: ساجدا {وأناب} ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا، {فغفرنا له ذلك} أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة رضي الله عنهم (3) في سجدة "ص" هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي رحمه الله أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية-عن أيوب عن ابن عباس (4) أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به (5) وقال الترمذي: حسن (6) صحيح. وقال (7) النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن -هو المقسمي-حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو (8) بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص" وقال: "سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكرا". تفرد بروايته …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٧٥) ↗التحرير والتنوير
… المعجز بلغاء العرب عن معارضته، قال تعالى في وصف القرآن: إنه لقول فصل وما هو بالهزل [الطارق: 13، 14] . [21- 25] وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم جملة وهل أتاك نبأ الخصم إلى آخرها معطوفة على جملة إنا سخرنا الجبال معه [ص: 18] . والإنشاء هنا في معنى الخبر، فإن هذه الجملة قصت شأنا من شأن داود مع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٣٠) ↗