سورة ص · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب * اصبر على ما يقولون }. أي: قال هؤلاء المكذبون، من جهلهم ومعاندتهم الحق، مستعجلين للعذاب: { ربنا عجل لنا قطنا } أي: قسطنا وما قسم لنا من العذاب عاجلا { قبل يوم الحساب } ولجوا في هذا القول، وزعموا أنك يا محمد، إن كنت صادقا، فعلامة صدقك أن تأتينا بالعذاب، فقال لرسوله: { اصبر على ما يقولون } كما صبر من قبلك من الرسل، فإن قولهم لا يضر الحق شيئا، ولا يضرونك في شيء، وإنما يضرون أنفسهم. { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } لما أمر الله رسوله بالصبر على قومه، أمره أن يستعين على الصبر بالعبادة لله وحده، ويتذكر حال العابدين، كما قال في الآية الأخرى: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها [طه: 130]. ومن أعظم العابدين، نبي الله داود عليه الصلاة والسلام { ذا الأيد } أي: القوة العظيمة على عبادة الله تعالى، في بدنه وقلبه. { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله في جميع الأمور بالإنابة إليه، بالحب والتأله، والخوف والرجاء، وكثرة التضرع والدعاء، رجاع إليه عندما يقع منه بعض الخلل، بالإقلاع والتوبة النصوح. ومن شدة إنابته لربه وعبادته، أن سخر الله الجبال معه، تسبح معه بحمد ربها { بالعشي والإشراق } أول النهار وآخره. { و } سخر { الطير محشورة } معه مجموعة { كل } من الجبال والطير، لله تعالى { أواب } امتثالا لقوله تعالى: يجبال أوبي معه والطير [سبأ: 10] فهذه منة الله عليه بالعبادة، ثم ذكر منته عليه بالملك العظيم فقال: { وشددنا ملكه } أي: قويناه بما أعطيناه من الأسباب، وكثرة العدد والعدد التي بها قوى الله ملكه، ثم ذكر منته عليه بالعلم فقال: { وآتيناه الحكمة } أي: النبوة والعلم العظيم، { وفصل الخطاب } أي: الخصومات بين الناس.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ص ١٦–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
موسى بن أبي كثير (1) عن ابن عباس (2) أنه بلغه: أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، قال (3) ابن عباس: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله تعالى: {يسبحن بالعشي والإشراق} (4) ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن (5) نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: {يسبحن بالعشي والإشراق} وكنت أقول: أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول: صلاة الإشراق. (6) ولهذا قال: {والطير محشورة} أي: محبوسة في الهواء، {كل له أواب} أي: مطيع يسبح تبعا له. قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {كل له أواب} أي: مطيع. [وقوله] (7) {وشددنا ملكه} أي: جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانا. وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف. وقال بعض السلف: بلغني أنه كان حرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل. وقال غيره: أربعون ألفا مشتملون (8) بالسلاح. وقد ذكر (9) ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس: أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه السلام أنه اغتصبه بقرا فأنكر الآخر، ولم يكن (10) للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود عليه السلام، في المنام بقتل المدعي فلما كان النهار …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلو والرفعة والظفر لك على من كذبك وشاقك سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد؛ ويعني بقوله: {ذا الأيد} [ص: 17] ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٠) ↗التحرير والتنوير
تعجيل العقاب بأن يكونوا سموا الحظ من العقاب قطا على طريق التهكم، كما قال عمرو بن كلثوم إذ جعل القتال قرى: قريناكم فعجلنا قراكم ... قبيل الصبح مرداة طحونا فيكونون قد أدمجوا تهكما في تهكم إغراقا في التهكم. وتسميتهم يوم الحساب أيضا من التهكم لأنهم لا يؤمنون بالحساب. [17- 20] 20] اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) أعقب حكاية أقوالهم من التكذيب ابتداء من قوله: وقال الكافرون هذا ساحر كذاب [ص: 4] إلى هنا، بأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أقوالهم إذ كان جميعها أذى: إما صريحا كما قالوا: ساحر كذاب وقالوا: إن هذا إلا اختلاق [ص: 7] إن هذا لشيء يراد [ص: 6] ، وإما ضمنا وذلك ما في سائر أقوالهم من إنكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بقولهم: ربنا عجل لنا قطنا [ص: 16] من إثبات أن الإله واحد، ويشمل ما يقولونه مما لم يحك في أول هذه السورة. وقوله: واذكر عبدنا داود إلى آخره يجوز أن يكون عطفا على قوله: اصبر على ما يقولون بأن أتبع أمره بالصبر وبالائتساء ببعض الأنبياء السابقين فيما لقوه من الناس ثم كانت لهم عاقبة النصر وكشف الكرب. ويجوز أن يكون عطفا على مجموع ما تقدم عطف القصة على القصة والغرض هو هو. وابتدئ بذكر داود لأن الله أعطاه ملكا وسلطانا لم يكن لآبائه ففي ذكره إيماء إلى أن شأن محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى العزة والسلطان، ولم يكن له سلف ولا جند فقد كان حال النبيء صلى الله عليه وسلم أشبه بحال داود عليه السلام. وأدمج في خلال ذلك الإيماء إلى التحذير من الضجر في ذات الله تعالى واتقاء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٢٦) ↗