سورة ص · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا بيان من الله تعالى لحال القرآن، وحال المكذبين به معه ومع من جاء به، فقال: { ص والقرآن ذي الذكر } أي: ذي القدر العظيم والشرف، المذكر للعباد كل ما يحتاجون إليه من العلم، بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء، فهو مذكر لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يحتاج إلى ذكر المقسم عليه، فإن حقيقة الأمر، أن المقسم به وعليه شيء واحد، وهو هذا القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ضرورة العباد إليه فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تلقيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه. فهدى الله من هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزله، وصار معهم { عزة وشقاق } عزة وامتناع عن الإيمان به، واستكبار وشقاق له، أي: مشاقة ومخاصمة في رده وإبطاله، وفي القدح بمن جاء به. فتوعدهم بإهلاك القرون الماضية المكذبة بالرسل، وأنهم حين جاءهم الهلاك، نادوا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم ولكن { ولات حين مناص } أى: وليس الوقت وقت خلاص مما وقعوا فيه، ولا فرج لما أصابهم، فليحذر هؤلاء أن يدوموا على عزتهم وشقاقهم، فيصيبهم ما أصابهم. { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } أي: عجب هؤلاء المكذبون في أمر ليس محل عجب، أن جاءهم منذر منهم، ليتمكنوا من التلقي عنه، وليعرفوه حق المعرفة، ولأنه من قومهم، فلا تأخذهم النخوة القومية عن اتباعه، فهذا مما يوجب الشكر عليهم، وتمام الانقياد له. ولكنهم عكسوا القضية، فتعجبوا تعجب إنكار وقالوا من كفرهم وظلمهم: { هذا ساحر كذاب } وذنبه -عندهم- أنه { أجعل الآلهة إلها واحدا } أى: كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده. { إن هذا } الذي جاء به { لشيء عجاب } أي: يقضي منه العجب لبطلانه وفساده. { وانطلق الملأ منهم } المقبول قولهم، محرضين قومهم على التمسك بما هم عليه من الشرك. { أن امشوا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السماء فقال: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} أي: من أمة مكذبة، {فنادوا} أي: (1) حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. كما قال تعالى: {فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون} ] الأنبياء: 12 [أي: يهربون، {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون} ] الأنبياء: 13 [ قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله: {فنادوا ولات حين مناص} قال: ليس بحين نداء، ولا نزو ولا فرار (2) وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث. وقال شبيب بن بشر (3) عن عكرمة عن (4) ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد: تذكر ليلى لات حين تذكر (5) . وقال محمد بن كعب في قوله: {فنادوا ولات حين مناص} يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم. وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء. وقال مجاهد: {فنادوا ولات حين مناص} ليس بحين فرار ولا إجابة. وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: {ولات حين مناص} ولا نداء في غير حين النداء. وهذه الكلمة وهي "لات" هي "لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء" كما تزاد في "ثم" فيقولون: "ثمت"، و "رب" فيقولون: "ربت". وهي مفصولة والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ابن جرير] (6) أنها متصلة بحين: "ولا تحين مناص". والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب "حين" تقديره: وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد: تذكر حب ليلى لات حينا %~% وأضحى الشيب قد قطع القرينا (7) ومنهم من جوز الجر بها، وأنشد: طلبوا صلحنا ولات أوان %~% فأجبنا أن ليس حين بقاء (8)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٥٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قال هذا تأويله، فإنه يقرؤه بكسر الدال، لأنه أمر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥) ↗التحرير والتنوير
منه التحدي بإعجاز القرآن وعجزهم عن معارضته بأنه كلام بلغتهم ومؤلف من حروفها فكيف عجزوا عن معارضته. فالتقدير: والقرآن ذي الذكر أنه لمن عند الله لهذا عجزتم عن الإتيان بمثله. وثانيهما: الذي أرى أن الجواب محذوف أيضا دل عليه الإضراب الذي في قوله: بل الذين كفروا في عزة وشقاق [ص: 2] بعد أن وصف القرآن ب ذي الذكر، لأن ذلك الوصف يشعر بأنه ذكر وموقظ للعقول فكأنه قيل: إنه لذكر ولكن الذين كفروا في عزة وشقاق يجحدون أنه ذكر ويقولون: سحر مفترى وهم يعلمون أنه حق كقوله تعالى: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33] ، فجواب القسم محذوف يدل عليه السياق، وليس حرف ص هو المقسم عليه مقدما على القسم، أي ليس دليل الجواب من اللفظ بل من المعنى والسياق. والغرض من حذف جواب القسم هنا الإعراض عنه إلى ما هو أجدر بالذكر وهو صفة الذين كفروا وكذبوا القرآن عنادا أو شقاقا منهم. [2] 2] بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) بل للإضراب الإبطالي وهذا نوع من الإضراب الإبطالي نبه عليه الراغب في «مفردات القرآن» وأشار إليه في «الكشاف» ، وتحريره أنه ليس إبطالا محضا للكلام السابق بحيث يكون حرف بل فيه بمنزلة حرف النفي كما هو غالب الإضراب الإبطالي، ولا هو إضراب انتقالي، ولكن هذا إبطال لتوهم ينشأ عن الكلام الذي قبله إذ دل وصف القرآن ب ذي الذكر [ص: 1] أن القرآن مذكر سامعيه تذكيرا ناجعا، فعقب بإزالة تو هم من يتوهم أن عدم تذكر الكفار ليس لضعف في تذكير القرآن ولكن لأنهم متعززون مشاقون، فحرف بل في مثل هذا بمنزلة حرف الاستدراك، والمقصود منه تحقيق أنه ذو ذكر، وإزالة الشبهة التي قد تعرض في ذلك. ومثله قوله تعالى: ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم [ق: 1، 2] ، أي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٠٤) ↗