سورة الصافات · الآية ٨٤
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن من شيعته لإبراهيم } إلى آخر القصة. أي: وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام. { إذ جآء ربه بقلب سليم } من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومه فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } هذا استفهام بمعنى الإنكار، وإلزام لهم بالحجة. { أإفكا آلهة دون الله تريدون } أي: أتعبدون [من دونه] آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم. وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص حتى جعلتم له أندادا وشركاء. فأراد عليه السلام أن يكسر أصنامهم ويتمكن من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، فخرج معهم { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم }. في الحديث الصحيح: " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إني سقيم } وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } [الأنبياء: 36] وقوله عن زوجته " إنها أختي " " ، والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم { ف } لهذا { تولوا عنه مدبرين } فلما وجد الفرصة، { فراغ إلى آلهتهم } أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، { فقال } متهكما بها { ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون } أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم. { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون، { فأقبلوا إليه يزفون } أي: يسرعون ويهرعون، أي: يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف: قلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم (2) أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال الحسن: سليم من الشرك، وقال عروة: لا يكون لعانا. وقوله: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون} : أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: {أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين} قال قتادة: [يعني] : (3) ما (4) ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره؟! إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر، فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، {فتولوا عنه مدبرين} قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم: يعني قتادة: أنه نظر في (5) السماء متفكرا فيما يلهيهم (6) به، فقال: {إني سقيم} أي: ضعيف. فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة (7) ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لم يكذب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: {إني سقيم} ، وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 62] ، وقوله في سارة: هي أختي" (8) فهو حديث مخرج في الصحاح (9) والسنن من طرق (10) ، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا وإنما أطلق الكذب على هذا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٦٣) ↗التحرير والتنوير
الدرجة، اقتصر على وصف العباد بالمؤمنين تنويها بشأن الإيمان ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويقلع المشركون عن الشرك. وهذه نعمة تاسعة. وأقحم معها من عبادنا لتشريفه بتلك الإضافة على نحو ما تقدم آنفا في قوله تعالى: إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم [الصافات: 40- 41] وهذه نعمة عاشرة، وفي ذلك تنبيه على عظيم قدر الإيمان. وفي هذه القصة عبرة للمشركين بما حل بقوم نوح وتسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم وجعل نوح قدوة له، وإيماء إلى أن الله ينصره كما نصر نوحا على قومه وينجيه من أذاهم وتنويه بشأن المؤمنين. وثم التي في قوله: ثم أغرقنا الآخرين للترتيب والتراخي الرتبيين لأن بعض ما ذكر قبلها في الكلام هو مما حصل بعد مضمون جملتها في نفس الأمر كما هو بين، ومعنى التراخي الرتبي هنا أن إغراق الذين كذبوه مع نجاته ونجاة أهله، أعظم رتبة في الانتصار له والدلالة على وجاهته عند الله تعالى وعلى عظيم قدرة الله تعالى ولطفه. ومعنى الآخرين من عداه وعدا أهله، أي بقية قومه، وفي التعبير عنهم بالآخرين ضرب من الاحتقار. ومما في الحديث أنه جاءه رجل فقال: «إن الآخر قد زنى» يعني نفسه على رواية الآخر بمد الهمزة وهي إحدى روايتين في الحديث. وتقدم ذكر نوح وقصته عند قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا في آل عمران [33] ، وفي الأعراف، وفي سورة هود، وذكر سفينته في أول سورة العنكبوت. [83- 87] 87] وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) تخلص إلى حكاية موقف إبراهيم عليه السلام من قومه في دعوتهم إلى التوحيد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٣٥) ↗