سورة الصافات · الآية ٨٢
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول الرسل، أنه لما دعا قومه إلى الله تلك المدة الطويلة، فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارا، أنه نادى ربه فقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا الآية [نوح: 26]. وقال: رب انصرني على القوم المفسدين [العنكبوت: 30] فاستجاب الله له، ومدح تعالى نفسه فقال: { فلنعم المجيبون } لدعاء الداعين، وسماع تبتلهم وتضرعهم، أجابه إجابة طابق ما سأل، نجاه وأهله من الكرب العظيم، وأغرق جميع الكافرين، وأبقى نسله وذريته متسلسلين، فجميع الناس من ذرية نوح عليه السلام، وجعل له ثناء حسنا مستمرا إلى وقت الآخرين، وذلك لأنه محسن في عبادة الخالق، محسن إلى الخلق، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على حسب إحسانهم. ودل قوله: { إنه من عبادنا المؤمنين } أن الإيمان أرفع منازل العباد، وأنه مشتمل على جميع شرائع الدين وأصوله وفروعه، لأن الله مدح به خواص خلقه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الصافات ٧٥–٨٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
شيء مما تحذرون، فإن الله، سبحانه، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد. وكان هارون، عليه السلام، في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، [ومؤمن آل فرعون وموسى، عليه السلام، في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] (1) ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى، عليه السلام: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا (2) محمد بن حمزة [بن محمد] (3) بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء، والكائن قبل كل شيء، اجعل لنا مخرجا. فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر} . وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة، وله اضطراب (4) ، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله -فيما ذكر لي -إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا، فرقا من الله تعالى، وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر} ، فضربه بها وفيها، (5) سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق. وذكر غير واحد أنه كناه فقال: انفلق علي أبا خالد بحول الله (6) . قال الله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا، لكل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ومنه قوله: {وأزلفت الجنة للمتقين} [الشعراء: 90] بمعنى: قربت وأدنيت؛ ومنه قول العجاج: [البحر الرجز] طي الليالي زلفا فزلفا %~% سماوة الهلال حتى احقوقفا PageEndV17P586 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٨٥) ↗التحرير والتنوير
والتعريف في قوله: المنذرين تعريف العهد، وهم المنذرون الذين أرسل إليهم المنذرون، أي فهم الضالون المعبر عنهم بأنهم أكثر الأولين. فالمعنى: فانظر كيف كان عاقبة الضالين الذين أنذرناهم فلم ينتذروا كما فعل هؤلاء الذين ألفوا آباءهم ضالين فاتبعوهم، فقد تحقق اشتراك هؤلاء وأولئك في الضلال، فلا جرم أن تكون عاقبة هؤلاء كعاقبة أولئك. وفعل النظر معلق عن معموله بالاستفهام، والاستفهام تعجيبي للتفظيع. واستثني عباد الله المخلصين من الأولين استثناء متصلا فإن عباد الله المخلصين كانوا من جملة المنذرين فصدقوا المنذرين ولم يشاركوا المنذرين في عاقبتهم المنظور فيها وهي عاقبة السوء. وتقدم اختلاف القراء في فتح اللام وكسرها من قوله: المخلصين عند قوله تعالى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين [الصافات: 39- 40] . [75- 82] 82] ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) أتبع التذكير والتسلية من جانب النظر في آثار ما حل بالأمم المرسل إليهم، وما أخبر عنه من عاقبتهم في الآخرة، بتذكير وتسلية من جانب الإخبار عن الرسل الذين كذبهم قومهم وآذوهم وكيف انتصر الله لهم ليزيد رسول صلى الله عليه وسلم تثبيتا ويلقم المشركين تبكيتا. وذكر في هذه السورة ست قصص من قصص الرسل مع أقوامهم لأن في كل قصة منها خاصية لها شبه بحال الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه وبحاله الأكمل في دعوته، ففي القصص كلها عبرة وأسوة وتحذير كما سيأتي تفصيله عند كل قصة منها، ويجمعها كلها مقاومة الشرك ومقاومة أهلها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٢٩) ↗