سورة الصافات · الآية ٧٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ أذلك خير } أي: ذلك النعيم الذي وصفناه لأهل الجنة خير، أم العذاب الذي يكون في الجحيم من جميع أصناف العذاب؟ فأي الطعامين أولى؟ الذي وصف في الجنة { أم } طعام أهل النار؟ وهو { شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة } أي: عذابا ونكالا { للظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي. { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أي: وسطه، فهذا مخرجها، ومعدنها أشر المعادن وأسوؤها، وشر المغرس يدل على شر الغراس وخسته، ولهذا نبهنا الله على شرها بما ذكر أين تنبت به، وبما ذكر من صفة ثمرتها. وأنها ك { رءوس الشياطين } فلا تسأل بعد هذا عن طعمها، وما تفعل في أجوافهم وبطونهم، وليس لهم عنها مندوحة ولا معدل. ولهذا قال: { فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون } فهذا طعام أهل النار، فبئس الطعام طعامهم، ثم ذكر شرابهم فقال: { ثم إن لهم عليها } أي: على أثر هذا الطعام { لشوبا من حميم } أي: ماء حارا، قد انتهى، كما قال تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا [الكهف: 29] وكما قال تعالى: وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم [محمد: 15]. { ثم إن مرجعهم } أي: مآلهم ومقرهم [ومأواهم] { لإلى الجحيم } ليذوقوا من عذابه الشديد وحره العظيم، ما ليس عليه مزيد من الشقاء. وكأنه قيل: ما الذي أوصلهم إلى هذه الدار؟ فقال: { إنهم ألفوا } أي: وجدوا { آبآءهم ضآلين * فهم على آثارهم يهرعون } أي: يسرعون في الضلال، فلم يلتفتوا إلى ما دعتهم إليه الرسل، ولا إلى ما حذرتهم عنه الكتب، ولا إلى أقوال الناصحين، بل عارضوهم بأن قالوا: إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون [الزخرف: 23]. { ولقد ضل قبلهم } أي: قبل هؤلاء المخاطبين { أكثر الأولين } وقليل منهم آمن واهتدى. { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } ينذرونهم عن غيهم وضلالهم، { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } كانت عاقبتهم الهلاك والخزي والفضيحة، فليحذر هؤلاء أن يستمروا على ضلالهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله عز وجل:: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} غذت من النار، ومنها خلقت. وقال مجاهد: {إنا جعلناها فتنة للظالمين} قال أبو جهل -لعنه الله-: إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه. قلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا تختبر (1) به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} [الإسراء:60] . وقوله: {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم} أي: أصل منبتها في قرار النار، {طلعها كأنه رءوس الشياطين} تبشيع [لها] (2) وتكريه لذكرها. قال وهب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء. وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر. وقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات، رءوسها بشعة المنظر. وقيل: جنس من النبات، طلعه في غاية الفحاشة. وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير، والأول أقوى وأولى، والله أعلم. وقوله: {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون} ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها، لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما (3) في معناها، كما قال [تعالى] : (4) {ليس لهم طعام إلا من ضريع. لا يسمن ولا يغني من جوع} [الغاشية:6، 7] . وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، وقال: "اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ ". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الخلط من قول العرب: شاب فلان طعامه فهو يشوبه شوبا وشيابا {من حميم} [الأنعام: 70] والحميم: الماء PageEndV19P555 المحموم، وهو الذي أسخن فانتهى حره، وأصله مفعول صرف إلى فعيل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٥٤) ↗التحرير والتنوير
وضمير عليها عائد إلى شجرة الزقوم بتأويل ثمرها. و (على) بمعنى (مع) ، ويصح أن تكون للاستعلاء لأن الحميم يشربونه بعد الأكل فينزل عليه في الأمعاء. والحميم: القيح السائل من الدمل، وتقدم عند قوله تعالى: لهم شراب من حميم في سورة الأنعام [70] . والقول في عطف ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم كالقول في عطف ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم. والمرجع: مكان الرجوع، أي المكان الذي يعود إليه الخارج منه بعد أن يفارقه. وقد يستعار للانتقال من حالة طارئة إلى حالة أصلية تشبيها بمغادرة المكان ثم العود إليه كقول عمر بن الخطاب في كلامه مع هنيىء صاحب الحمى «فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع» ، يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف، فإنه إنما عنى أنهما ينتقلان من الانتفاع بالماشية إلى الانتفاع بالنخل والزرع وكذلك ينبغي أن يفسر الرجوع في الآية لأن المشركين حين يطعمون من شجرة الزقوم ويشربون الحميم لم يفارقوا الجحيم فأريد التنبيه على أن عذاب الأكل من الزقوم والشراب من الحميم زيادة على عذاب الجحيم، ألا ترى إلى قوله: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم فليس ثمة مغادرة للجحيم حتى يكون الرجوع حقيقة، مثله قول النبيء صلى الله عليه وسلم حين رجوعه من إحدى مغازيه «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» يريد مجاهدة النفس فإنه لم يعن أنهم حين اشتغالهم بالجهاد قد تركوا مجاهدة أنفسهم وإنما عنى أنهم كانوا في جهاد زائد فصاروا إلى الجهاد السابق. [69- 70] 70] إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون (70) تعليل لما جازاهم الله به من العذاب وإبداء للمناسبة بينه وبين جرمهم، فإن جرمهم كان تلقيا لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشعبه بدون نظر ولا اختيار لما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٢٦) ↗