سورة الصافات · الآية ٦١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى نعيمهم وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: { إني كان لي قرين } في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به، و { يقول } لي { أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } أي: مجازون بأعمالنا؟ أي: كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا فصرنا ترابا وعظاما، أننا نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟!! أي: يقول صاحب الجنة لإخوانه: هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون من النعيم الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك أنه قد وصل إلى العذاب. ف { هل أنتم مطلعون } لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه، ويكون ذلك رأي عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على قرينه. { فاطلع } فرأى قرينه { في سوآء الجحيم } أي: في وسط العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به. ف { قال } له لائما على حاله، وشاكرا لله على نعمته أن نجاه من كيده: { تالله إن كدت لتردين } أي: تهلكني بسبب ما أدخلت علي من الشبه بزعمك، { ولولا نعمة ربي } على أن ثبتني على الإسلام { لكنت من المحضرين } في العذاب معك. { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } [أي: يقوله المؤمن، مبتهجا بنعمة الله على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من العذاب استفهام بمعنى الإثبات والتقرير] أي: يقول لقرينه المعذب: أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب. وقوله: { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } وحذف المعمول، والمقام مقام لذة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور:19] ، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: قوله: {هنيئا} أي: لا يموتون (5) فيها. فعندها قالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} ، قيل [لهم] : (6) لا. قالوا: {إن هذا لهو الفوز العظيم} وقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون} قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة. وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة (7) . وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: {إني كان لي قرين} قال: إن رجلين كانا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
موتتنا الأولى} [الصافات: 58] يقول: أفما نحن بميتين غير موتتنا الأولى في الدنيا {وما نحن بمعذبين} [الشعراء: 138] يقول: وما نحن بمعذبين بعد دخولنا الجنة {إن هذا لهو الفوز العظيم} [الصافات: 60] يقول: إن هذا الذي أعطاناه الله من الكرامة في الجنة أنا لا نعذب ولا نموت لهو النجاء العظيم مما كنا في الدنيا نحذر من عقاب الله، وإدراك ما كنا PageEndV19P551 فيها، نأمل بإيماننا، وطاعتنا ربنا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٥٠) ↗التحرير والتنوير
والفوز: الظفر بالمطلوب، أي حالنا هو النجاح والظفر العظيم. وقد أبدع في تصوير حسن حالهم بحصر الفوز فيه حتى كان كل فوز بالنسبة إليه ليس بفوز، فالحصر للمبالغة لعدم الاعتداد بغيره ثم ألحقوا ذلك الحصر بوصفه ب العظيم. [61] لمثل هذا فليعمل العاملون (61) هذا تذييل لحكاية حال عباد الله المخلصين فهو كلام من جانب الله تعالى للتنويه بما فيه عباد الله المخلصون، وللتحريض على العمل بمثل ما عملوه مما أوجب لهم إخلاص الله إياهم، فالإشارة في قوله: لمثل هذا إلى ما تضمنه قوله: أولئك لهم رزق معلوم [الصافات: 41] الآيات، أي لمثل نعيمهم وأنسهم ومسرتهم ولذاتهم وبهجتهم وخلود ذلك كله. والمراد بمثله: نظيره من نعيم لمخلصين آخرين. والمراد بالعاملين: الذين يعملون الخير ويسيرون على ما خطت لهم شريعة الإسلام، فحذف مفعول «يعمل» اختصارا لظهوره من المقام. واللام في لمثل لام التعليل. وتقديم المجرور على عامله لإفادة القصر، أي لا لعمل غيره، وهو قصر قلب للرد على المشركين الذين يحسبون أنهم يعملون أعمالا صالحة يتفاخرون بها من الميسر، قال تعالى: قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [الكهف: 103- 104] . والمعنى: لنوال مثل هذا، فحذف مضاف لدلالة اللام على معناه. والفاء للتفريع على مضمون القصة المذكورة قبلها من قوله: إلا عباد الله المخلصين [الصافات: 40] الآيات. والأمر في فليعمل للإرشاد الصادق بالواجبات والمندوبات.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٢٠) ↗