سورة الصافات · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى نعيمهم وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: { إني كان لي قرين } في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به، و { يقول } لي { أءنك لمن المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون } أي: مجازون بأعمالنا؟ أي: كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا فصرنا ترابا وعظاما، أننا نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟!! أي: يقول صاحب الجنة لإخوانه: هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون من النعيم الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك أنه قد وصل إلى العذاب. ف { هل أنتم مطلعون } لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن فيه، ويكون ذلك رأي عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على قرينه. { فاطلع } فرأى قرينه { في سوآء الجحيم } أي: في وسط العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به. ف { قال } له لائما على حاله، وشاكرا لله على نعمته أن نجاه من كيده: { تالله إن كدت لتردين } أي: تهلكني بسبب ما أدخلت علي من الشبه بزعمك، { ولولا نعمة ربي } على أن ثبتني على الإسلام { لكنت من المحضرين } في العذاب معك. { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } [أي: يقوله المؤمن، مبتهجا بنعمة الله على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من العذاب استفهام بمعنى الإثبات والتقرير] أي: يقول لقرينه المعذب: أفتزعم أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب. وقوله: { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } وحذف المعمول، والمقام مقام لذة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال: {قال هل أنتم مطلعون} أي:مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة. {فاطلع فرآه في سواء الجحيم} قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخليد العصري وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني [وغيرهم] (1) يعني في وسط الجحيم. وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد. وقال قتادة: ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرا. {قال تالله إن كدت لتردين} يقول المؤمن مخاطبا للكافر: والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك. {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} أي: ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل [علي] (2) ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده {وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف:43] . وقوله: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة (3) والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب؛ ولهذا قال: {إن هذا لهو الفوز العظيم} قال (4) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: {كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون} [الطور:19] ، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: قوله: {هنيئا} أي: لا يموتون (5) فيها. فعندها قالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: {أفما نحن بميتين. إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين} ، قيل [لهم] : (6) لا. قالوا: {إن هذا لهو الفوز العظيم} وقوله: {لمثل هذا فليعمل العاملون} قال قتادة: هذا من كلام أهل الجنة. وقال ابن جرير: هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لمن المصدقين بأنا مبعوثون بعد الممات
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٤٦) ↗التحرير والتنوير
وذلك اللون أحسن ألوان النساء، وقديما شبهوا الحسان ببيض النعام، قال امرؤ القيس: وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل [50- 57] 57] فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) الفاء للتفريع لأن شأن المتجالسين في مسرة أن يشرعوا في الحديث فإن في الحديث مع الأصحاب والمنتدمين لذة كما قال محمد بن فياض: وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على الشراب فإذا استشعروا أن ما صاروا إليه من النعيم كان جزاء على ما سبق من إيمانهم وإخلاصهم تذكر بعضهم من كان يجادله في ثبوت البعث والجزاء فحمد الله على أن هداه لعدم الإصغاء إلى ذلك الصاد فحدث بذلك جلساءه وأراهم إياه في النار، فلذلك حكي إقبال بعضهم على بعض بالمساءلة بفاء التعقيب. وهذا يدل على أن الناس في الآخرة تعود إليهم تذكراتهم التي كانت لهم في الدنيا مصفاة من الخواطر السيئة والأكدار النفسانية مدركة الحقائق على ما هي عليه. وجيء في حكاية هذه الحالة بصيغ الفعل الماضي مع أنها مستقبلة لإفادة تحقيق وقوع ذلك حتى كأنه قد وقع على نحو قوله تعالى: أتى أمر الله [النحل: 1] ، والقرينة هي التفريع على الأخبار المتعلقة بأحوال الآخرة. والتساؤل: أن يسأل بعضهم بعضا، وحذف المتساءل عنه لدلالة ما بعده عليه، وقد بين نحوا منه قوله تعالى: في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر [المدثر: 40، 42] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١١٥) ↗