سورة الصافات · الآية ٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم منه تعالى بالملائكة الكرام، في حال عبادتها وتدبيرها ما تدبره بإذن ربها، على ألوهيته تعالى وربوبيته، فقال: { والصافات صفا } أي: صفوفا في خدمة ربهم، وهم الملائكة. { فالزاجرات زجرا } وهم الملائكة، يزجرون السحاب وغيره بأمر الله، { فالتليت ذكرا } وهم الملائكة الذين يتلون كلام الله تعالى. فلما كانوا متألهين لربهم، ومتعبدين في خدمته، ولا يعصونه طرفة عين، أقسم بهم على ألوهيته فقال: { إن إلهكم لواحد } ليس له شريك في الإلهية، فأخلصوا له الحب والخوف والرجاء، وسائر أنواع العبادة. { رب السموت والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: هو الخالق لهذه المخلوقات، والرازق لها، المدبر لها، فكما أنه لا شريك له في ربوبيته إياها، فكذلك لا شريك له في ألوهيته، وكثيرا ما يقرر تعالى توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، لأنه دال عليه. وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة، فيلزمهم بما أقروا به على ما أنكروه. وخص الله المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } ذكر الله في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين: إحداهما: كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل. والثانية: حراسة السماء عن كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا استمعت قذفتها بالشهب الثواقب { من كل جانب } طردا لهم، وإبعادا عن استماع ما يقول الملأ الأعلى. { ولهم عذاب واصب } أي: دائم، معد لهم، لتمردهم عن طاعة ربهم. ولولا أنه [تعالى] استثنى، لكان ذلك دليلا على أنهم لا يستمعون شيئا أصلا، ولكن قال: { إلا من خطف الخطفة } أي: إلا من تلقف من الشياطين المردة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
زيد بن أسلم. {فالتاليات ذكرا} قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: {فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} [المرسلات:5، 6] . وقوله: {إن إلهكم لواحد} هذا هو المقسم عليه، أنه تعالى لا إله إلا هو {رب السموات والأرض وما بينهما} أي: من المخلوقات، {ورب المشارق} أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب (1) ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} [المعارج:40] . وقال في الآية الأخرى: {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن:17] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر. يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض {بزينة الكواكب} ، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء (2) لأهل الأرض، كما قال تعالى {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك:5] ، وقال: {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} [الحجر:16-18] . وقوله ها هنا: {وحفظا} تقديره: وحفظناها حفظا، {من كل شيطان مارد} يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} أي: لئلا يصلوا (3) إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ:23] ولهذا قال {ويقذفون} أي: يرمون {من كل جانب} أي: من كل جهة يقصدون السماء منها، {دحورا} أي:رجما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٩٢) ↗التحرير والتنوير
و"التاليات ذكرا" يناسب أحوال الرسول والرسل عليهم الصلاة والسلام وما أرسلوا به إلى أقوامهم. هذا وفي الافتتاح بالقسم تشويق إلى معرفة المقسم عليه ليقبل عليه السامع بشراشره. فقد استكملت فاتحة السورة أحسن وجوه البيان وأكملها. [1- 4] بسم الله الرحمن الرحيم والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) القسم لتأكيد الخبر مزيد تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية، وهو قسم واحد والمقسم به نوع واحد مختلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: فالتاليات ذكرا. وعطف «الصفات» بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار جهة ترجع إليها وحدته، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء الأماكن المتصل بعضها ببعض كقول امرئ القيس: بسقط اللوى بين الدخول فحومل ... فتوضح فالمقرة ... البيت وكقول لبيد: بمشارق الجبليين أو بمحجر ... فتضمنتها فرده فمر خاها فصدائق أن أيمنت فمظنة ... البيت ويعطفون بها صفات موصوف واحد كقول ابن زيابة: يا لهف زيابة للحارث ال ... صابح فالغانم فالآيب يريد صفات للحارث، ووصفه بها تهكما به.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٨٣) ↗