سورة الصافات · الآية ١٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين } إلى آخر السورة. يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين يظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا من الذكر والكتب ما جاء الأولين، لأخلصنا لله العبادة، بل لكنا المخلصين على الحقيقة. وهم كذبة في ذلك، فقد جاءهم أفضل الكتب فكفروا به، فعلم أنهم متمردون على الحق، { فسوف يعلمون } العذاب حين يقع بهم، ولا يحسبوا أيضا أنهم في الدنيا غالبون، بل قد سبقت كلمة الله التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور. ثم أمر رسوله بالإعراض عمن عاندوا ولم يقبلوا الحق، وأنه ما بقي إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، ولهذا قال: { وأبصرهم فسوف يبصرون } من يحل به النكال، فإنه سيحل بهم. { فإذا نزل بساحتهم } أي: نزل عليهم، وقريبا منهم { فسآء صباح المنذرين } لأنه صباح الشر والعقوبة والاستئصال. ثم كرر الأمر بالتولي عنهم، وتهديدهم بوقوع العذاب. ولما ذكر في هذه السورة كثيرا من أقوالهم الشنيعة التي وصفوه بها، نزه نفسه عنها فقال: { سبحان ربك } أي: تنزه وتعالى { رب العزة } [أي:] الذي عز فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به، { وسلام على المرسلين } لسلامتهم من الذنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. { والحمد لله رب العالمين } الألف واللام، للاستغراق، فجميع أنواع الحمد من الصفات الكاملة العظيمة، والأفعال التي ربى بها العالمين، وأدر عليهم فيها النعم، وصرف عنهم بها النقم، ودبرهم تعالى في حركاتهم وسكونهم، وفي جميع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء؛ ولهذا قال: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} أي: أتاكم هذا أو هذا (1) {أغير الله تدعون إن كنتم صادقين} أي: لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه؛ ولهذا قال: إن {إن كنتم صادقين} أي: في اتخاذكم آلهة معه. {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحدا سواه وتذهب عنكم أصنامكم وأندادكم كما قال: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية [الإسراء: 67] . وقوله: {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء} يعني: الفقر والضيق في العيش {والضراء} وهي الأمراض والأسقام والآلام {لعلهم يتضرعون} أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله تعالى: {فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا (2) {ولكن قست قلوبهم} أي: ما رقت ولا خشعت {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} أي: من الشرك والمعاصي. {فلما نسوا ما ذكروا به} أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا (3) استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره؛ ولهذا قال: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} أي: من الأموال والأولاد والأرزاق {أخذناهم بغتة} أي: على غفلة {فإذا هم مبلسون} أي: آيسون من كل خير. قال الوالبي، عن ابن عباس: المبلس: الآيس. وقال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به، فلا رأي له. ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له، فلا رأي له، ثم قرأ: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} قال الحسن: مكر بالقوم ورب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/٢٥٠) ↗التحرير والتنوير
ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك موردها على نفسك وطبعك إلا لمجيئها على طريقة التمثيل» . واعلم أن في اختيار هذا التمثيل البديع معنى بديعا من الإيماء إلى أن العذاب الذي وعدوه هو ما أصابهم يوم بدر من قتل وأسر على طريقة التورية. [178- 179] وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) عطف على جملة فإذا نزل بساحتهم [الصافات: 177] الآية لأن معنى المعطوف عليها الوعد بأن الله سينتقم منهم فعطف عليه أمره رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يهتم بعنادهم. وهذه نظير التي سبقتها المفرعة بالفاء فلذلك يحصل منها تأكيد نظيرتها، على أنه قد يكون هذا التولي غير الأول وإلى حين آخر وإبصار آخر، فالظاهر أنه تول عمن يبقى من المشركين بعد حلول العذاب الذي استعجلوه، فيحتمل أن يكون حينا من أوقات الدنيا فهو إنذار بفتح مكة. ويحتمل أن يكون إلى حين من أحيان الآخرة، وإنما جعل ذلك غاية لتولي النبيء صلى الله عليه وسلم عنهم لأن توليه العذاب عنهم غاية لتولي النبيء صلى الله عليه وسلم عنهم لأن توليه عنهم مستمر إلى يوم القيامة فإن مدة لحاق النبيء صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى لما كانت متصلة بتوليه عنهم جعلت تلك المدة كأنها ظرف للتولي ينتهي بحين إحضارهم للعقاب، فيكون قوله: حتى حين مرادا به الأبد. وحذف مفعول وأبصر في هذه الآية لدلالة ما في نظيرها عليه. [180- 182] سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182) خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم تذييلا لخطابه المبتدأ بقوله تعالى: فاستفتهم ألربك البنات [الصافات: 149] الآية. فإنه خلاصة جامعة لما حوته من تنزيه الله وتأييده رسله. وهذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض جمعت تنزيه الله والثناء على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٩٨) ↗