سورة الصافات · الآية ١٧١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين } إلى آخر السورة. يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين يظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا من الذكر والكتب ما جاء الأولين، لأخلصنا لله العبادة، بل لكنا المخلصين على الحقيقة. وهم كذبة في ذلك، فقد جاءهم أفضل الكتب فكفروا به، فعلم أنهم متمردون على الحق، { فسوف يعلمون } العذاب حين يقع بهم، ولا يحسبوا أيضا أنهم في الدنيا غالبون، بل قد سبقت كلمة الله التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور. ثم أمر رسوله بالإعراض عمن عاندوا ولم يقبلوا الحق، وأنه ما بقي إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، ولهذا قال: { وأبصرهم فسوف يبصرون } من يحل به النكال، فإنه سيحل بهم. { فإذا نزل بساحتهم } أي: نزل عليهم، وقريبا منهم { فسآء صباح المنذرين } لأنه صباح الشر والعقوبة والاستئصال. ثم كرر الأمر بالتولي عنهم، وتهديدهم بوقوع العذاب. ولما ذكر في هذه السورة كثيرا من أقوالهم الشنيعة التي وصفوه بها، نزه نفسه عنها فقال: { سبحان ربك } أي: تنزه وتعالى { رب العزة } [أي:] الذي عز فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به، { وسلام على المرسلين } لسلامتهم من الذنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. { والحمد لله رب العالمين } الألف واللام، للاستغراق، فجميع أنواع الحمد من الصفات الكاملة العظيمة، والأفعال التي ربى بها العالمين، وأدر عليهم فيها النعم، وصرف عنهم بها النقم، ودبرهم تعالى في حركاتهم وسكونهم، وفي جميع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} [المجادلة:21] ، وقال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر:51] ؛ ولهذا قال:: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون} أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم، وكيف أهلك الله الكافرين، ونجى عباده المؤمنين. {وإن جندنا لهم الغالبون} أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا {فتول عنهم حتى حين} أي: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر؛ ولهذا قال بعضهم: غيى (1) ذلك إلى يوم بدر. وما بعدها أيضا في معناها. وقوله: {وأبصرهم فسوف يبصرون} أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك (2) وتكذيبك؛ ولهذا قال على وجه التهديد والوعيد: {فسوف يبصرون} . ثم قال عز وجل {أفبعذابنا يستعجلون} أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم (3) ، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل لهم العقوبة، ومع هذا أيضا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة. قال الله تعالى: {فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين} أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم (4) . قال السدي: {فإذا نزل بساحتهم} يعني: بدارهم، {فساء صباح المنذرين} أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، رضي الله عنه، قال: صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا [وهم] (5) يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التنزيل والكتاب، يقول الله: فسوف يعلمون إذا وردوا علي ماذا لهم من العذاب بكفرهم بذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٦٥٦) ↗التحرير والتنوير
بهذا أن الرسل الأولين لم يكونوا مرسلين إليهم ولا بلغوا إليهم كتابهم ولو كانوا مرسلين إليهم لآمنوا بهم فكانوا عباد الله المخلصين، فذكر في جواب لو ما هو أخص من الإيمان ليفيد معنى الإيمان بدلالة الفحوى. وفي جملة لكنا عباد الله المخلصين صيغة قصر من أجل كون المسند إليه معرفة بالإضمار والمسند معرفة بالإضافة، أي لكنا عباد الله دون غيرنا، ولما وصف المسند ب المخلصين وهو معرف بلام الجنس حصل قصر عباد الله الذين لهم صفة الإخلاص في المسند إليه، وهذا قصر ادعائي للمبالغة في ثبوت صفة الإخلاص لهم حتى كانوا شبيهين بالمنفردين بالإخلاص لعدم الاعتداد بإخلاص غيرهم في جانب إخلاصهم. وهو يؤول إلى معنى تفضيل أنفسهم في الإخلاص لله حينئذ، كما صرح به في قوله تعالى: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم [الأنعام: 157] . والفاء في قوله: فكفروا به للتعقيب على فعل ليقولون، أي استمر قولهم حتى كان آخره أن جاءهم الكتاب فكفروا به، أو للفصيحة، والتقدير: فكان عندهم ذكر فكفروا به، فالضمير عائد إلى الذكر وهو القرآن قال تعالى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز [فصلت: 41] . وهذا معنى قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا [فاطر: 42] . وبهذا كان للوعيد بقوله: فسوف يعلمون موقعه المصادف المجز من الكلام، وهوله بما ضمنه من الإبهام. و «سوف» أخت السين في إفادة مطلق الاستقبال. [171- 173] 173] ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على ما تضمنه قوله: فكفروا به [الصافات: 170] وبيان لبعض الوعيد الذي في قوله: فسوف يعلمون [الصافات: 170] بمنزلة بدل البعض من الكل ولكنه غلب عليه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٩٤) ↗