البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الصافات · الآية ١٦٨

﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين } إلى آخر السورة. يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين يظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا من الذكر والكتب ما جاء الأولين، لأخلصنا لله العبادة، بل لكنا المخلصين على الحقيقة. وهم كذبة في ذلك، فقد جاءهم أفضل الكتب فكفروا به، فعلم أنهم متمردون على الحق، { فسوف يعلمون } العذاب حين يقع بهم، ولا يحسبوا أيضا أنهم في الدنيا غالبون، بل قد سبقت كلمة الله التي لا مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون لغيرهم، المنصورون من ربهم نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور. ثم أمر رسوله بالإعراض عمن عاندوا ولم يقبلوا الحق، وأنه ما بقي إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، ولهذا قال: { وأبصرهم فسوف يبصرون } من يحل به النكال، فإنه سيحل بهم. { فإذا نزل بساحتهم } أي: نزل عليهم، وقريبا منهم { فسآء صباح المنذرين } لأنه صباح الشر والعقوبة والاستئصال. ثم كرر الأمر بالتولي عنهم، وتهديدهم بوقوع العذاب. ولما ذكر في هذه السورة كثيرا من أقوالهم الشنيعة التي وصفوه بها، نزه نفسه عنها فقال: { سبحان ربك } أي: تنزه وتعالى { رب العزة } [أي:] الذي عز فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به، { وسلام على المرسلين } لسلامتهم من الذنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر الأرض والسماوات. { والحمد لله رب العالمين } الألف واللام، للاستغراق، فجميع أنواع الحمد من الصفات الكاملة العظيمة، والأفعال التي ربى بها العالمين، وأدر عليهم فيها النعم، وصرف عنهم بها النقم، ودبرهم تعالى في حركاتهم وسكونهم، وفي جميع …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى مخاطبا للمشركين {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} أي: ما ينقاد (1) لمقالكم وما (2) أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذري للنار. {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف:179] . فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} [الذاريات:8، 9] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل. ثم قال تعالى منزها للملائكة مما نسبوا (3) إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} أي: له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة (4) لا يتجاوزه ولا يتعداه (5) . وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد (6) ، عن أبيه -وكان ممن بايع يوم الفتح-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد". ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} (7) . وقال الضحاك في تفسيره: {وما منا إلا له مقام معلوم} قال: كان مسروق يروي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم". فذلك قوله: {وما منا إلا له مقام معلوم} (8) . وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق: عن (9) ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، ثم قرأ عبد الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} وكذا قال سعيد بن جبير. وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا، حتى نزلت: {وما منا إلا له مقام معلوم} ، فتقدم الرجال وتأخر النساء.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٣) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شفيق المروزي، قال: ثنا أبو معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول قوله: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] كان مسروق بن الأجدع، يروي عن عائشة أنها قالت: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم» ، فذلك قول الله: {وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 164] حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: " إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه PageEndV19P653 جبهة ملك أو قدمه قائما؛ قال: ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله، قال: " إن من السموات سماء ما فيها موضع إلا فيه ملك ساجد، أو قدماه قائم، ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي نضرة، قال: كان عمر إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه، فقال: «يا أيها الناس استووا، إن الله إنما يريد بكم هدي الملائكة» {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] «استووا، تقدم أنت يا فلان، تأخر أنت أي هذا، فإذا استووا تقدم فكبر» حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثني أبو أسامة، قال: ثني الجريري سعيد بن إياس أبو مسعود، قال: ثني أبو نضرة، قال: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم واستووا فإنما يريد الله بكم هدي الملائكة، يقول: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن PageEndV19P654 المسبحون} …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

170] وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) انتقال من ذكر كفر المشركين بتعدد الإله وبإنكار البعث وما وصفوا به الرسول صلى الله عليه وسلم من السحر والجنون ثم بما نسبوا لله مما لا يليق بإلهيته وما تخلل ذلك من المواعظ والوعيد لهم والوعد للمؤمنين والعبرة بمصارع المكذبين السابقين وما لقيه رسل الله من أقوامهم. فانتقال الكلام إلى ذكر ما كفر به المشركون من تكذيب القرآن الذي أنزله الله هدى لهم، فالمقصود من هذا هو قوله: فكفروا به أي الذكر، وإنما قدم له في نظم الكلام ما فيه تسجيل عليهم تهافتهم في القول إذ كانوا قبل أن يأتيهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكتاب المبين يودون أن يشرفهم الله بكتاب لهم كما شرف الأولين ويرجون لو كان ذلك أن يكونوا عبادا لله مخلصين له فلما جاءهم ما رغبوا فيه كفروا به وذلك أفظع الكفر لأنه كفر بما كانوا على بصيرة من أمره إذ كانوا يتمنونه لأنفسهم ويغبطون الأمم التي أنزل عليهم مثله فلم يكن كفرهم عن مباغتة ولا عن قلة تمكن من النظر. وتأكيد الخبر ب إن المخففة من الثقيلة وبلام الابتداء الفارقة بين المخففة والنافية للتسجيل عليهم بتحقيق وقوع ذلك منهم ليسد عليهم باب الإنكار. وإقحام فعل كانوا للدلالة على أن خبر (كان) ثابت لهم في الماضي. والتعبير بالمضارع في «يقولون» لإفادة أن ذلك تكرر منهم. ولو شرطية وسدت أن وصلتها مسد فعل الشرط وهو كثير في الكلام. والذكر: الكتاب المقروء، سمي ذكرا لأنه يذكر الناس بما يجب عليهم مسمى بالمصدر. وتقدم عند قوله تعالى: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون في سورة الحجر [6] . ومن الأولين صفة ل ذكرا، والمراد ب الأولين الرسل السابقون، ومن ابتدائية، أي ذكرا جائيا من الرسل الأولين، أي مثل موسى وعيسى. ومرادهم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٩٣) ↗