سورة الصافات · الآية ١٦٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا [فيه] بيان براءة الملائكة عليهم السلام عما قاله فيهم المشركون، وأنهم عباد الله، لا يعصونه طرفة عين، فما منهم من أحد إلا له مقام وتدبير قد أمره الله به، لا يتعداه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيء. { وإنا لنحن الصآفون } في طاعة الله وخدمته { وإنا لنحن المسبحون } لله عما لا يليق به. فكيف - مع هذا - يصلحون أن يكونوا شركاء لله؟! تعالى الله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الصافات ١٦٤–١٦٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخاطبا للمشركين {فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين. إلا من هو صال الجحيم} أي: ما ينقاد (1) لمقالكم وما (2) أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذري للنار. {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} [الأعراف:179] . فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: {إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} [الذاريات:8، 9] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل. ثم قال تعالى منزها للملائكة مما نسبوا (3) إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} أي: له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة (4) لا يتجاوزه ولا يتعداه (5) . وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد (6) ، عن أبيه -وكان ممن بايع يوم الفتح-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد". ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} (7) . وقال الضحاك في تفسيره: {وما منا إلا له مقام معلوم} قال: كان مسروق يروي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم". فذلك قوله: {وما منا إلا له مقام معلوم} (8) . وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق: عن (9) ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، ثم قرأ عبد الله: {وما منا إلا له مقام معلوم} وكذا قال سعيد بن جبير. وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعا، حتى نزلت: {وما منا إلا له مقام معلوم} ، فتقدم الرجال وتأخر النساء.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٤٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شفيق المروزي، قال: ثنا أبو معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول قوله: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] كان مسروق بن الأجدع، يروي عن عائشة أنها قالت: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم» ، فذلك قول الله: {وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 164] حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: " إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه PageEndV19P653 جبهة ملك أو قدمه قائما؛ قال: ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله، قال: " إن من السموات سماء ما فيها موضع إلا فيه ملك ساجد، أو قدماه قائم، ثم قرأ: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا الجريري، عن أبي نضرة، قال: كان عمر إذا أقيمت الصلاة أقبل على الناس بوجهه، فقال: «يا أيها الناس استووا، إن الله إنما يريد بكم هدي الملائكة» {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} [الصافات: 166] «استووا، تقدم أنت يا فلان، تأخر أنت أي هذا، فإذا استووا تقدم فكبر» حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثني أبو أسامة، قال: ثني الجريري سعيد بن إياس أبو مسعود، قال: ثني أبو نضرة، قال: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم واستووا فإنما يريد الله بكم هدي الملائكة، يقول: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن PageEndV19P654 المسبحون} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
فعن جماعة من السلف: أن هذه الصفات للملائكة. وعن قتادة أن «التاليات ذكرا» الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين. وقسم الله بمخلوقاته يومىء إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دال على عظيم قدرة الخالق أو كونه مشرفا عند الله تعالى. وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على أن المراد أصناف من الملائكة لا آحاد منهم. والصافات جمع: صافة، وهي الطائفة المصطف بعضها مع بعض. يقال: صف الأمير الجيش، متعديا إذا جعله صفا واحدا أو صفوفا، فاصطفوا. ويقال: فصفوا، أي صاروا مصطفين، فهو قاصر. وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن فعله مثل قول العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر وتقدم قوله: فاذكروا اسم الله عليها صواف في سورة الحج [36] ، وقوله: والطير صافات [النور: 41] . ووصف الملائكة بهذا الوصف يجوز أن يكون على حقيقته فتكون الملائكة في العالم العلوي مصطفة صفوفا، وهي صفوف متقدم بعضها على بعض باعتبار مراتب الملائكة في الفضل والقرب. ويجوز أن يكون كناية عن الاستعداد لامتثال ما يلقى إليهم من أمر الله تعالى قال تعالى، حكاية عنهم في هذه السورة وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون [الصافات: 165، 166] . والزجر: الحث في نهي أو أمر بحيث لا يترك للمأمور تباطؤ في الإتيان بالمطلوب، والمراد به: تسخير الملائكة المخلوقات التي أمرهم الله بتسخيرها خلقا أو فعلا، كتكوين العناصر، وتصريف الرياح، وإزجاء السحاب إلى الآفاق. و «التاليات ذكرا» المترددون لكلام الله تعالى الذي يتلقونه من جانب القدس لتبليغ بعضهم بعضا أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير [سبأ: 23] . وبينه قول النبيء صلى الله عليه وسلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٨٤) ↗