سورة الصافات · الآية ١٥٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { فاستفتهم } أي: اسأل المشركين بالله غيره، الذين عبدوا الملائكة، وزعموا أنها بنات الله، فجمعوا بين الشرك بالله ووصفه بما لا يليق بجلاله، { ألربك البنات ولهم البنون } أي: هذه قسمة ضيزى، وقول جائر، من جهة جعلهم الولد لله تعالى، ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له، وهو البنات التي لا يرضونهن لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون [النحل: 57] ومن جهة جعلهم الملائكة بنات الله، وحكمهم بذلك. قال تعالى في بيان كذبهم: { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } خلقهم؟ أي: ليس الأمر كذلك، فإنهم ما شهدوا خلقهم، فدل على أنهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراء على الله، ولهذا قال: { ألا إنهم من إفكهم } أي: كذبهم الواضح { ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون }. { أصطفى } أي: اختار { البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون } هذا الحكم الجائر { أفلا تذكرون } وتميزون هذا القول الباطل الجائر فإنكم لو تذكرتم لم تقولوا هذا القول: { أم لكم سلطان مبين } أي حجة ظاهرة على قولكم، من كتاب أو رسول. وكل هذا غير واقع ولهذا قال: { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } فإن من يقول قولا لا يقيم عليه حجة شرعية، فإنه كاذب متعمد، أو قائل على الله بلا علم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الصافات ١٤٩–١٥٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
على العرش، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعد (1) الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء. وقال وهب بن منبه: خلقه الله من نوره. وهذا غريب. {يدبر الأمر} أي: يدبر أمر الخلائق، {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] ، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلظه (2) المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين (3) ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير، في الجبال والبحار والعمران والقفار، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود: 6] . {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . (4) وقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب [بن عجرة] (5) أنه قال حين نزلت هذه الآية: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} لقيهم ركب عظيم (6) [لا يرون إلا أنهم] (7) من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا. من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم. [وقوله] (8) {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} كقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] وكقوله تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] وقوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] . وقوله: {ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} (9) أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، {أفلا تذكرون} (10) أي: أيها المشركون في أمركم، تعبدون مع الله غيره، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق، كقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [الزخرف: 87] ، وقوله: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون} [المؤمنون: 86 -87] ، (11) وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٢٤٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
خلق السماوات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مدبرا للأمور وقاضيا في خلقه ما
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١١٣) ↗التحرير والتنوير
و (ألا) حرف تنبيه للاهتمام بالخبر. والإفك: الكذب أي قولهم هذا بعض من أكذوباتهم. ولذلك أعقبه بعطف وإنهم لكاذبون مؤكدا ب (إن) واللام، أي شأنهم الكذب في هذا وفي غيره من باطلهم، فليست الجملة تأكيدا لقوله: من إفكهم كيف وهي معطوفة. [153- 157] أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) عود إلى الاستفتاء، ولذلك لم تعطف لأن بينها وبين ما قبلها كمال الاتصال، فالمعنى: وقل لهم: اصطفى البنات. قرأ الجمهور: أصطفى بهمزة قطع مفتوحة على أنها همزة الاستفهام وأما همزة الوصل التي في الفعل فمحذوفة لأجل الوصل. وقرأه أبو جعفر بهمزة وصل على أن همزة الاستفهام محذوفة. والكلام ارتقاء في التجهيل، أي لو سلمنا أن الله اتخذ ولدا فلما ذا اصطفى البنات دون الذكور، أي اختار لذاته البنات دون البنين والبنون أفضل عندكم؟ وجملة ما لكم كيف تحكمون بدل اشتمال من جملة أصطفى البنات على البنين فإن إنكار اصطفاء البنات يقتضي عدم الدليل في حكمهم ذلك، فأبدل ما لكم كيف تحكمون من إنكار ادعائهم اصطفاء الله البنات لنفسه. وقوله: ما لكم: ما استفهام عن ذات وهي مبتدأ ولكم خبر. والمعنى: أي شيء حصل لكم؟ وهذا إبهام فلذلك كانت كلمة «ما لك» ونحوها في الاستفهام يجب أن يتلى بجملة حال تبين الفعل المستفهم عنه نحو: ما لكم لا تنطقون [الصافات: 92] ونحو ما لك لا تأمنا على يوسف [يوسف: 11] وقد بينت هنا بما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٨٢) ↗