سورة الصافات · الآية ١٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن يونس لمن المرسلين } إلى آخر القصة. وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله يونس بن متى، كما أثنى على إخوانه المرسلين، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله، وذكر تعالى عنه، أنه عاقبه عقوبة دنيوية، أنجاه منها بسبب إيمانه وأعماله الصالحة، فقال: { إذ أبق } أي: من ربه مغاضبا له، ظانا أنه لا يقدر عليه، ويحبسه في بطن الحوت، ولم يذكر الله ما غاضب عليه، ولا ذنبه الذي ارتكبه، لعدم فائدتنا بذكره، وإنما فائدتنا بما ذكرنا عنه أنه أذنب، وعاقبه الله مع كونه من الرسل الكرام، وأنه نجاه بعد ذلك، وأزال عنه الملام، وقيض له ما هو سبب صلاحه. فلما أبق لجأ { إلى الفلك المشحون } بالركاب والأمتعة، فلما ركب مع غيره، والفلك شاحن، ثقلت السفينة، فاحتاجوا إلى إلقاء بعض الركبان، وكأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك، فاقترعوا على أن من قرع وغلب، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. فلما [اقترعوا] أصابت القرعة يونس { فكان من المدحضين } أي: المغلوبين، فألقي في البحر { فالتقمه الحوت وهو } وقت التقامه { مليم } أي: فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه. { فلولا أنه كان من المسبحين } أي: في وقته السابق بكثرة عبادته لربه وتسبيحه وتحميده، وفي بطن الحوت حيث قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87]. { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } أي: لكانت مقبرته، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته لله، نجاه الله تعالى، وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. { فنبذناه بالعرآء } بأن قذفه الحوت من بطنه بالعراء، وهي الأرض الخالية العارية من كل أحد، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال. { وهو سقيم } أي: قد سقم ومرض، بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ الممعوط من البيضة. { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } تظله بظلها الظليل، لأنها بادرة باردة الظلال، ولا يسقط عليها ذباب، وهذا من لطفه به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال مجالد (1) ، عن الشعبي: التقمه ضحى، وقذفه (2) عشية. والله أعلم بمقدار ذلك. وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيت يونسا %~% وقد بات في أضعاف حوت لياليا (3) وقوله: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} ، قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهب بن منبه، وقتادة، وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن ابن عباس: " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (4) وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: {فلولا أنه كان من المسبحين} يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك. وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل: المراد: {فلولا أنه كان من المسبحين} هو قوله: {فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} [الأنبياء:87، 88] قاله سعيد بن جبير وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي حدثنا أبو صخر (5) : أن يزيد الرقاشي حدثه: أنه سمع أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-"أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم (6) حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء". ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، به (7) (8) زاد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
المملوء من الحمولة الموقر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٦٢٤) ↗التحرير والتنوير
تكون في زمن الصيف ويكون السير بكرة وعشيا وسرى والباء في وبالليل للظرفية. والخبر الذي في قوله: وإنكم لتمرون عليهم مستعمل في الإيقاظ والاعتبار لا في حقيقة الإخبار، وتأكيده بحرف التوكيد وباللام تأكيد للمعنى الذي استعمل فيه، وذلك مثل قوله: وإنها لبسبيل مقيم في سورة الحجر [76] . وفرع على ذلك بالفاء استفهام إنكاري من عدم فطنتهم لدلالة تلك الآثار على ما حل بهم من سخط الله وعلى سبب ذلك وهو تكذيب رسول الله لوط. وقد أشرنا إلى وجه تخصيص قصة لوط مع القصص الخمس في أول الكلام على قصة نوح وتزيد على تلك القصص بأن فيها مشاهدة آثار قومه الذين كذبوا وأصروا على الكفر. [139- 144] 144] وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) يونس هو ابن متى، واسمه بالعبرانية (يونان بن آمتاي) ، وهو من أهل فلسطين، وهو من أنبياء بني إسرائيل أرسله الله إلى أهل (نينوى) وكانت نينوى مدينة عظيمة من بلاد الآشوريين وكان بها أسرى بني إسرائيل الذين بأيدي الآشوريين وكانوا زهاء مائة ألف بقوا بعد (دانيال) . وكان يونس في أول القرن الثامن قبل المسيح، وقد تقدم ذكره وذكر قومه في الأنعام وسورة يونس. وإذ ظرف متعلق ب المرسلين ، وإنما وقتت رسالته بالزمن الذي أبق فيه إلى الفلك لأن فعلته تلك كانت عند ما أمره الله بالذهاب إلى نينوى لإبلاغ بني إسرائيل أن الله غضب عليهم لأنهم انحرفوا عن شريعتهم. فحينما أوحى الله إليه بذلك عظم عليه هذا الأمر فخرج من بلده وقصد مرسى (يافا) ليذهب إلى مدينة (ترشيش) وهي طرطوسية على شاطىء بلاد الشام فهال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٧٢) ↗