سورة الصافات · الآية ١٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله لوط، بالنبوة والرسالة، ودعوته إلى الله قومه، ونهيهم عن الشرك وفعل الفاحشة، فلما لم ينتهوا، نجاه الله وأهله أجمعين، فسروا ليلا فنجوا. { إلا عجوزا في الغابرين } أي: الباقين المعذبين، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه. { ثم دمرنا الآخرين } بأن قلبنا عليهم ديارهم جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود [هود: 82] حتى همدوا وخمدوا. { وإنكم لتمرون عليهم } أي: على ديار قوم لوط { عليهم مصبحين * وباليل } أي: في هذه الأوقات يكثر ترددكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمرية. { أفلا تعقلون } الآيات والعبر، وتنزجرون عما يوجب الهلاك؟
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الصافات ١٣٣–١٣٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما نهاهم نبي الله عن إتيانهم الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم -ما كان جواب قومه له إلا قالوا: {لئن لم تنته يا لوط} يعنون: عما جئتنا (1) به، {لتكونن من المخرجين} أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: {وما (2) كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم (3) من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} [الأعراف:82] ، فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم فقال: {قال إني لعملكم من القالين} أي: المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به؛ فأنا بريء منكم. ثم دعا الله عليهم قال: {رب نجني وأهلي مما يعملون} . قال الله تعالى {فنجيناه وأهله أجمعين} أي: كلهم. {إلا عجوزا في الغابرين} ، وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت (4) مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في "سورة الأعراف" و"هود"، وكذا في "الحجر" حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال: {ثم دمرنا الآخرين. وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . هؤلاء -أعني أصحاب الأيكة -هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: {إذ قال لهم شعيب} ، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٥٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من إتيان الذكران، {فنجيناه وأهله} [الأنبياء: 76] من عقوبتنا التي عاقبنا بها قوم لوط {أجمعين، إلا عجوزا في الغابرين} [الشعراء: 170] يعني في الباقين، لطول مرور السنين عليها، فصارت هرمة، فإنها أهلكت من بين أهل لوط، لأنها كانت تدل قومها على الأضياف. وقد قيل: إنما قيل من الغابرين لأنها لم تهلك مع قومها في قريتهم، وأنها إنما أصابها الحجر بعد ما خرجت عن قريتهم مع لوط وابنتيه، فكانت من الغابرين بعد قومها، ثم أهلكها الله بما أمطر على بقايا قوم لوط من الحجارة، وقد بينا ذلك فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٣١) ↗التحرير والتنوير
136] وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) هذا ثاني الأنبياء الذين جمعهم التنظير في هذه الآية، ولوط كان رسولا للقرى التي كان ساكنا في إحداها فهو رسول لا شريعة له سوى أنه جاء ينهى الأقوام الذين كان نازلا بينهم عن الفاحشة وتلك لم يسبق النهي عنها في شريعة إبراهيم. وإذ ظرف متعلق ب المرسلين. والمعنى: أنه في حين إنجاء الله إياه وإهلاك الله قومه كان قائما بالرسالة عن الله تعالى ناطقا بما أمره الله، وإنما خص حين إنجائه بجعله ظرفا للكون من المرسلين لأن ذلك الوقت ظرف للأحوال الدالة على رسالته إذ هي مماثلة لأحوال الرسل من قبل ومن بعد. وتقدمت قصة لوط في سورة الأنعام وفي سورة الأعراف. والعجوز: امرأة لوط، وتقدم خبرها وتقدم نظيرها في سورة الشعراء. [137- 138] وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) الخطاب لقريش الذين سيقت هذه القصص لعظتهم. والمرور: مجاوزة السائر بسيره شيئا يتركه، والمراد هنا: مرورهم في السفر، وكان أهل مكة إذا سافروا في تجارتهم إلى الشام يمرون ببلاد فلسطين فيمرون بأرض لوط على شاطىء البحر الميت المسمى بحيرة لوط. وتعدية المرور بحرف (على) يعين أن الضمير المجرور بتقدير مضاف إلى: على أرضهم، كما قال تعالى: أو كالذي مر على قرية [البقرة: 259] . يقال: مر عليه ومر به، وتعديته بحرف (على) تفيد تمكن المرور أشد من تعديته بالباء، وكانوا يمرون بديار لوط بجانبها لأن قراهم غمرها البحر الميت وآثارها باقية تحت الماء. والمصبح: الداخل في وقت الصباح، أي تمرون على منازلهم في الصباح تارة وفي الليل تارة بحسب تقدير السير في أول النهار وآخره، لأن رحلة قريش إلى الشام
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٧١) ↗