سورة الصافات · الآية ١٠٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن من شيعته لإبراهيم } إلى آخر القصة. أي: وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام. { إذ جآء ربه بقلب سليم } من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومه فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } هذا استفهام بمعنى الإنكار، وإلزام لهم بالحجة. { أإفكا آلهة دون الله تريدون } أي: أتعبدون [من دونه] آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم. وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص حتى جعلتم له أندادا وشركاء. فأراد عليه السلام أن يكسر أصنامهم ويتمكن من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، فخرج معهم { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم }. في الحديث الصحيح: " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إني سقيم } وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } [الأنبياء: 36] وقوله عن زوجته " إنها أختي " " ، والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم { ف } لهذا { تولوا عنه مدبرين } فلما وجد الفرصة، { فراغ إلى آلهتهم } أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، { فقال } متهكما بها { ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون } أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم. { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون، { فأقبلوا إليه يزفون } أي: يسرعون ويهرعون، أي: يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين} يعني: أولادا مطيعين عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد ولإبراهيم، عليه السلام، ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا "إسحاق"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا "إسحاق" لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب (1) مكة وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: "وحيد" إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} . ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا نبشرك بغلام عليم} [الحجر:53] . وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود:71] ، أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله [تعالى] (2) قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٨٣) ↗التحرير والتنوير
وحذف المتعلق بفعل تؤمر لظهور تقديره: أي ما تؤمر به. وبقي الفعل كأنه من الأفعال المتعدية، وهذا الحذف يسمى بالحذف والإيصال، كقول عمرو بن معد يكرب: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب وصيغة الأمر في قوله: افعل مستعملة في الإذن. وعدل عن أن يقال: اذبحني، إلى افعل ما تؤمر للجمع بين الإذن وتعليله، أي أذنت لك أن تذبحني لأن الله أمرك بذلك، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه. وجملة ستجدني هي الجواب لأن الجمل التي قبلها تمهيد للجواب كما علمت فإنه بعد أن حثه على فعل ما أمر به وعده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا يهلع بل يكون صابرا، وفي ذلك تخفيف من عبء ما عسى أن يعرض لأبيه من الحزن لكونه يعامل ولده بما يكره. وهذا وعد قد وفى به حين أمكن أباه من رقبته، وهو الوعد الذي شكره الله عليه في الآية الأخرى في قوله: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد [مريم: 54] ، وقد قرن وعده ب إن شاء الله استعانة على تحقيقه. وفي قوله: من الصابرين من المبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوصف: بصابر، لأنه يفيد أنه سيجده في عداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما وعد الخضر قال: ستجدني إن شاء الله صابرا [الكهف: 69] لأنه حمل على التصبر إجابة لمقترح الخضر. [103- 107] 107] فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) أسلما استسلما. يقال: سلم واستسلم وأسلم بمعنى: انقاد وخضع، وحذف المتعلق لظهوره من السياق، أي أسلما لأمر الله فاستسلام إبراهيم بالتهيؤ
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٥٢) ↗