سورة الصافات · الآية ١٠٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإن من شيعته لإبراهيم } إلى آخر القصة. أي: وإن من شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام. { إذ جآء ربه بقلب سليم } من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من تصور الحق والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومه فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } هذا استفهام بمعنى الإنكار، وإلزام لهم بالحجة. { أإفكا آلهة دون الله تريدون } أي: أتعبدون [من دونه] آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم برب العالمين أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء بالعقاب على الإقامة على شركهم. وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص حتى جعلتم له أندادا وشركاء. فأراد عليه السلام أن يكسر أصنامهم ويتمكن من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، فخرج معهم { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم }. في الحديث الصحيح: " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إني سقيم } وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } [الأنبياء: 36] وقوله عن زوجته " إنها أختي " " ، والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم { ف } لهذا { تولوا عنه مدبرين } فلما وجد الفرصة، { فراغ إلى آلهتهم } أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، { فقال } متهكما بها { ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون } أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تكلم. { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه يرجعون، { فأقبلوا إليه يزفون } أي: يسرعون ويهرعون، أي: يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين} يعني: أولادا مطيعين عوضا من قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد ولإبراهيم، عليه السلام، ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا "إسحاق"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا "إسحاق" لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب (1) مكة وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: "وحيد" إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} . ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا نبشرك بغلام عليم} [الحجر:53] . وقال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود:71] ، أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله [تعالى] (2) قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لإبراهيم بنيانا ذكر أنهم بنوا له PageEndV19P576 بنيانا يشبه التنور، ثم نقلوا إليه الحطب، وأوقدوا عليه {فألقوه في الجحيم} [الصافات: 97] والجحيم عند العرب: جمر النار بعضه على بعض، والنار على النار
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٧٥) ↗التحرير والتنوير
من حجر أو خشب، ولذلك جمع بين إسناد الخلق إلى الله بواو العطف، وإسناد العمل إليهم بإسناد فعل تعملون. وقد احتج الأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بهذه الآية على أن تكون ما مصدرية أو تكون موصولة، على أن المراد: ما تعملونه من الأعمال. وهو تمسك ضعيف لما في الآية من الاحتمالين ولأن المقام يرجح المعنى الذي ذكرناه إذ هو في مقام المحاجة بأن الأصنام أنفسها مخلوقة لله فالأولى المصير إلى أدلة أخرى. [97- 98] 98] قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) الجحيم: النار الشديدة الوقود، وكل نار على نار وجمر فوق جمر فهو جحيم. وتقدمت هذه القصة ونظير هذه الآية في سورة الأنبياء، وعبر هنا ب الأسفلين وهنالك ب الأخسرين [الأنبياء: 70] والأسفل هو المغلوب لأن الغالب يتخيل معتليا على المغلوب فهو استعارة للمغلوب، والأخسر هنالك استعارة لمن لا يحصل من سعيه على بغيته. [99- 100] وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) لما نجا إبراهيم من نارهم صمم على الخروج من بلده (أور الكلدانيين) . وهذه أول هجرة في سبيل الله للبعد عن عبادة غير الله. والتوراة بعد أن طوت سبب أمر الله إياه بالخروج ذكر فيها أنه خرج قاصدا بلاد حران في أرض كنعان (وهي بلاد الفينيقيين) . والظاهر: أن هذا القول قاله علنا في قومه ليكفوا عن أذاه، وكان الأمم الماضون يعدون الجلاء من مقاطع الحقوق، قال زهير:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٤٦) ↗