سورة يس · الآية ٨٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآيات الكريمات، فيها [ذكر] شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى: { أولم ير الإنسان } المنكر للبعث و الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه { من نطفة } ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله واستتب، { فإذا هو خصيم مبين } بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه من العدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى. { وضرب لنا مثلا } لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق. فسر هذا المثل [بقوله]: { قال } ذلك الإنسان { من يحيي العظام وهي رميم } أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها بعد ما بليت وتلاشت. هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة } وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور، { وهو بكل خلق عليم }. هذا أيضا دليل ثان من صفات الله تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم. ثم ذكر دليلا ثالثا { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون } فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو في غاية الرطوبة، مع تضادهما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال: {بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} أي: يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار: إذا ما أراد الله أمرا فإنما %~% يقول له "كن" قولة فيكون (1) وقال (2) الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون". (3) وقوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المتفضل. ومعنى قوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} كقوله عز وجل: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، (4) وكقوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ، فالملك والملكوت واحد في المعنى، كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت. ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد (5) والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم. قال (6) الإمام أحمد: حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة -وهو ابن اليمان-رضي الله عنه، قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ السبع الطول (7) في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده". ثم قال: "الحمد لذي (8) ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي. (9) وقد روى أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث شعبة، عن عمرو بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[يس: 82] فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٧٤) ↗التحرير والتنوير
التي لم تبق منها باقية تعاد أجساد على صورها لتودع فيها أرواحهم، ألا ترى أن جسد الإنسان يتغير على حالته عند الولادة ويكبر وتتغير ملامحه، ويجدد كل يوم من الدم واللحم بقدر ما اضمحل وتبخر ولا يعتبر ذلك التغير تبديلا لذاته فهو يحس بأنه هو هو والناس يميزونه عن غيره بسبب عدم تغير الروح. وفي آيات القرآن ما يدل على هذه الأحوال للمعاد، ولذلك اختلف علماء السنة في أن البعث عن عدم أو عن تفريق كما أشار إليه سيف الدين الآمدي في «أبكار الأفكار» ومودعة فيها أرواحهم التي كانت تدبر أجسامهم فإن الأرواح باقية بعد فناء الأجساد. وجملة وهو الخلاق العليم معترضة في آخر الكلام، والواو اعتراضية، أي هو يخلق خلائق كثيرة وواسع العلم بأحوالهم ودقائق ترتيبها. [82] 82] إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) هذه فذلكة الاستدلال، وفصل المقال، فلذلك فصلت عما قبلها كما تفصل جملة النتيجة عن جملتي القياس، فقد نتج مما تقدم أنه تعالى إذا أراد شيئا تعلقت قدرته بإيجاده بالأمر التكويني المعبر عن تقريبه ب كن وهو أخصر كلمة تعبر عن الأمر بالكون، أي الاتصاف بالوجود. والأمر في قوله: إنما أمره بمعنى الشأن لأنه المناسب لإنكارهم قدرته على إحياء الرميم، أي لا شأن لله في وقت إرادته تكوين كائن إلا تقديره بأن يوجده، فعبر عن ذلك التقدير الذي ينطاع له المقدور بقول: كن ليعلم أن لا يباشر صنعه بيد ولا بآلة ولا بعجن مادة ما يخلق منه كما يفعل الصناع والمهندسون، لأن المشركين نشأ لهم توهم استحالة المعاد من انعدام المواد فضلا عن إعدادها وتصويرها، فالقصر إضافي لقلب اعتقادهم أنه يحتاج إلى جمع مادة وتكييفها ومضي مدة لإتمامها. وإذا ظرف زمان في موضع نصب على المفعول فيه، أي حين إرادته شيئا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٧٩) ↗