البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة يس · الآية ٨٠

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذه الآيات الكريمات، فيها [ذكر] شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى: { أولم ير الإنسان } المنكر للبعث و الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه { من نطفة } ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله واستتب، { فإذا هو خصيم مبين } بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه من العدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى. { وضرب لنا مثلا } لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق. فسر هذا المثل [بقوله]: { قال } ذلك الإنسان { من يحيي العظام وهي رميم } أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها بعد ما بليت وتلاشت. هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد بجواب شاف كاف، فقال: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة } وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا تصوره المتصور، { وهو بكل خلق عليم }. هذا أيضا دليل ثان من صفات الله تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم. ثم ذكر دليلا ثالثا { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون } فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو في غاية الرطوبة، مع تضادهما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ونزلت الآيات من آخر "يس". ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فذكره ولم يذكر "ابن عباس" (1) . وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم. وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة. وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف، أو [في] (2) العاص [بن وائل] ، (3) أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث. والألف واللام في قوله: {أولم ير الإنسان} للجنس، يعم كل (4) منكر للبعث. {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} أي: أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: {ألم نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم} [المرسلات: 20-22] . وقال {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه} [الإنسان: 2] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال (5) الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر ابن جحاش؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: "قال الله تعالى: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ ". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان، به (6) . ولهذا قال: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} ؟ أي: استبعد إعادة الله تعالى -ذي القدرة العظيمة التي خلقت (7) السموات والأرض-للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أخرج لكم من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر، لا يمتنع عليه فعل ما أراد، ولا يعجز عن إحياء العظام التي قد رمت، وإعادتها بشرا سويا، وخلقا جديدا، كما بدأها أول مرة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٨٩) ↗

التحرير والتنوير

فلذلك بني الجواب على فعل الإحياء مسندا للمحيي، على أن الجواب صالح لأن يكون إبطالا للنفي المراد من الاستفهام الإنكاري كأنه قيل: بل يحييها الذي أنشأها أول مرة. ولم يبن الجواب على بيان إمكان الإحياء وإنما جعل بيان الإمكان في جعل المسند إليه موصولا لتدل الصلة على الإمكان فيحصل الغرضان، فالموصول هنا إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو يحييها، أي يحييها لأنه أنشأها أول مرة فهو قادر على إنشائها ثاني مرة كما أنشأها أول مرة. قال تعالى: ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون [الواقعة: 62] ، وقال: وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم: 27] . وذيل هذا الاستدلال بجملة وهو بكل خلق عليم أي واسع العلم محيط بكل وسائل الخلق التي لا نعلمها: كالخلق من نطفة، والخلق من ذرة، والخلق من أجزاء النبات المغلقة كسوس الفول وسوس الخشب، فتلك أعجب من تكوين الإنسان من عظامه. وفي تعليق الإحياء بالعظام دلالة على أن عظام الحي تحلها الحياة كلحمه ودمه، وليست بمنزلة القصب والخشب وهو قول مالك وأبي حنيفة ولذلك تنجس عظام الحيوان الذي مات دون ذكاة. وعن الشافعي: أن العظم لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت. قال ابن العربي: وقد اضطرب أرباب المذاهب فيه. والصحيح ما ذكرناه، يعني أن بعضهم نسب إلى الشافعي موافقة قول مالك وهو قول أحمد فيصير اتفاقا وعلماء الطب يثبتون الحياة في العظام والإحساس. وقال ابن زهر الحكيم الأندلسي في كتاب «التيسير» : أن جالينوس اضطرب كلامه في العظام هل لها إحساسا والذي ظهر لي أن لها إحساسا بطيئا. [80] 80] الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) بدل من الذي أنشأها [يس: 79] بدلا مطابقا، وإنما لم تعطف الصلة على الصلة فيكتفى بالعطف عن إعادة اسم الموصول لأن في إعادة الموصول تأكيدا للأول واهتماما بالثاني حتى تستشرف نفس السامع لتلقي ما يرد بعده فيفطن بما في

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٧٦) ↗