سورة يس · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة. ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها. { إنك لمن المرسلين } هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل، من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة. ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه { على صراط مستقيم } معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر (1) : فما أدري إذا يممت أرضا %~% أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه %~% أم الشر الذي لا يأتليني فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لما دل السياق والكلام عليه، (2) وكذا هذا، لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} قال: هو كقول الله (3) تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء:29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة (4) إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد: {فهم مقمحون} قال: رافعو (5) رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير. وقوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} : قال مجاهد: عن الحق، {ومن خلفهم سدا} قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. وقوله: {فأغشيناهم} أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، {فهم لا يبصرون} أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "فأعشيناهم" بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع. وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} إلى قوله: { [فهم] لا يبصرون} (6) ، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه (7) كنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في قراءة عبد الله فيما ذكر: «إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان» وقوله: {إلى الأذقان} [يس: 8] يعني: فأيمانهم مجموعة بالأغلال في أعناقهم، فكني عن الأيمان، ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام، وأن الأغلال إذا كانت في الأعناق لم تكن إلا وأيدي المغلولين مجموعة بها أليها، فاستغنى بذكر كون الأغلال في الأعناق من ذكر الأيمان، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] وما أدري إذا يممت وجها %~% أريد الخير أيهما يليني آلخير الذي أنا أبتغيه %~% أم الشر الذي لا يأتليني فكنى عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده لعلم سامع ذلك بمعنى قائله، إذ كان الشر مع الخير يذكر والأذقان: جمع ذقن، والذقن: مجمع اللحيين
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٠٣) ↗التحرير والتنوير
عقولهم من النفور عن الخير، فحقق في علمه وكتب أنهم لا يؤمنون، فالفاء لتفريع انتفاء إيمان أكثرهم على القول الذي حق على أكثرهم. وحق: بمعنى ثبت ووقع فلا يقبل نقضا. والقول: مصدر أريد به ما أراده الله تعالى بهم فهو قول من قبيل الكلام النفسي، أو مما أوحى الله به إلى رسله. والتعريف في القول تعريف الجنس، والمقول محذوف لدلالة تفريعه عليه. والتقدير: لقد حق القول، أي القول النفسي وهو المكتوب في علمه تعالى أنهم لا يؤمنون فهم لا يؤمنون. [8] 8] إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون [يس: 7] فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على ما تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلا. والجعل: تكوين الشيء، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، فيجوز أن يكون تمثيلا بأن شبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين، أي الرافعين رؤوسهم الغاضين أبصارهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية. وذكر فهي إلى الأذقان لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطاطىء رأسه وجعه ذقنه فلازم السكون وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة. وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأغلال، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإنصاف بالإقماح.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٤٩) ↗