سورة يس · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
[لما ذكر تعالى] أن كل أحد لا يجازى إلا ما عمله، ذكر جزاء الفريقين، فبدأ بجزاء أهل الجنة، وأخبر أنهم في ذلك اليوم { في شغل فاكهون } أي: في شغل مفكه للنفس، ملذ لها، من كل ما تهواه النفوس، وتلذه العيون، ويتمناه المتمنون. ومن ذلك افتضاض العذارى الجميلات، كما قال: { هم وأزواجهم } من الحور العين، اللاتي قد جمعن حسن الوجوه والأبدان وحسن الأخلاق. { في ظلال على الأرآئك } أي: على السرر المزينة باللباس المزخرف الحسن. { متكئون } عليها، اتكاء على كمال الراحة والطمأنينة واللذة. { لهم فيها فاكهة } كثيرة، من جميع أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، { ولهم ما يدعون } أي: يطلبون، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه. ولهم أيضا { سلام } حاصل لهم { من رب رحيم } ففي هذا كلام الرب تعالى لأهل الجنة وسلامه عليهم، وأكده بقوله: { قولا } وإذا سلم عليهم الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا، فلولا أن الله تعالى قدر أن لا يموتوا، أو تزول قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك. فنرجو ربنا أن لا يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يس ٥٥–٥٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن عباس -في رواية عنه (1) -: {في شغل فاكهون} أي بسماع الأوتار. وقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار. وقوله: {هم وأزواجهم} قال مجاهد: وحلائلهم {في ظلال} أي: في ظلال الأشجار {على الأرائك متكئون} . قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والسدي، وخصيف (2) : {الأرائك} هي السرر تحت الحجال. قلت: نظيره في الدنيا هذه التخوت (3) تحت البشاخين، والله أعلم. وقوله: {لهم فيها فاكهة} أي: من جميع أنواعها، {ولهم ما يدعون} أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان (4) بن موسى، حدثني كريب؛ أنه سمع أسامة بن زيد يقول (5) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها هي -ورب الكعبة- نور كلها يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سلامة، وفاكهة خضرة وحبرة ونعمة، ومحلة عالية بهية". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: "قولوا: إن شاء الله". قال القوم: إن شاء الله. وكذا رواه ابن ماجه في "كتاب الزهد" من سننه، من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، به. (6) وقوله: {سلام قولا من رب رحيم} قال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: {سلام قولا من رب رحيم} فإن الله نفسه سلام على أهل الجنة. وهذا الذي قاله ابن عباس كقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44] وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا، وفي إسناده نظر، فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العباداني، حدثنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٦٤) ↗التحرير والتنوير
الأمر ولكنه يجري على حسب اجتهاد الحاكمين، والله لم يكلف الحاكم إلا ببذل جهده في إصابة الحق، ولهذا قال النبيء صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» . [55- 57] إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) هذا من الكلام الذي يلقى من الملائكة، والجملة مستأنفة، وهذا مما يقال لمن حق عليهم العذاب إعلاما لهم بنزول مرتبتهم عن مراتب أهل الجنة إعلانا بالحقائق لأن ذلك عالم الحقائق وإدخالا للندامة عليهم على ما فرطوا فيه من طلب الفوز في الآخرة. وهذا يؤذن بأن أهل الجنة عجل بهم إلى النعيم قبل أن يبعث إلى النار أهلها، وأن أهل الجنة غير حاضرين ذلك المحضر. وتعريف اليوم للعهد كما تقدم. وفائدة ذكر الظرف وهو اليوم التنويه بذلك اليوم بأنه يوم الفضل على المؤمنين المتقين. والشغل: مصدر شغله، إذا ألهاه. يقال: شغله بكذا عن كذا فاشتغل به. والظرفية مجازية جعل تلبسهم بالشغل كأنهم مظروفون فيه، أي أحاط بهم شغل عن مشاهدة موقف أهل العذاب صرفهم الله عن منظر المزعجات لأن مشاهدتها لا تخلو من انقباض النفوس، ولكون هذا هو المقصود عدل عن ذكر ما يشغلهم إذ لا غرض في ذكره، فقوله: في شغل خبر إن وفاكهون خبر ثان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب شغل بضم فسكون. وقرأه الباقون بضمتين وهما لغتان فيه. والفاكه: ذو الفكاهة بضم الفاء، وهي المزاح بالكلام المسر والمضحك، وهي اسم مصدر: فكه بكسر الكاف، إذا مزح وسر. وعن بعض أهل اللغة: أنه لم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٤١) ↗