سورة يس · الآية ٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ودليل لهم وبرهان، على أن الله وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه { أنا حملنا ذريتهم } قال كثير من المفسرين: المراد بذلك: آباؤهم. { وخلقنا لهم } أي: للموجودين من بعدهم { من مثله } أي: من مثل ذلك الفلك، أي: جنسه { ما يركبون } به، فذكر نعمته على الآباء بحملهم في السفن، لأن النعمة عليهم، نعمة على الذرية. وهذا الموضع من أشكل المواضع علي في التفسير، فإن ما ذكره كثير من المفسرين، من أن المراد بالذرية الآباء، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء، بل فيها من الإيهام، وإخراج الكلام عن موضوعه، ما يأباه كلام رب العالمين، وإرادته البيان والتوضيح لعباده. وثم احتمال أحسن من هذا، وهو أن المراد بالذرية الجنس، وأنهم هم بأنفسهم، لأنهم هم من ذرية [بني] آدم، ولكن ينقض هذا المعنى قوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } إن أريد: وخلقنا من مثل ذلك الفلك، أي: لهؤلاء المخاطبين، ما يركبون من أنواع الفلك، فيكون ذلك تكريرا للمعنى، تأباه فصاحة القرآن. فإن أريد بقوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } الإبل، التي هي سفن البر، استقام المعنى واتضح، إلا أنه يبقى أيضا، أن يكون الكلام فيه تشويش، فإنه لو أريد هذا المعنى، لقال: وآية لهم أنا حملناهم في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، فأما أن يقول في الأول: وحملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم، فإنه لا يظهر المعنى، إلا أن يقال: الضمير عائد إلى الذرية، والله أعلم بحقيقة الحال. فلما وصلت في الكتابة إلى هذا الموضع، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد الله تعالى، وذلك أن من عرف جلالة كتاب الله وبيانه التام من كل وجه، للأمور الحاضرة والماضية والمستقبلة، وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من أحواله، وكانت الفلك من آياته تعالى ونعمه على عباده، من حين أنعم عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة، ولم تزل موجودة في كل زمان، إلى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال ابن جرير: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير (1) ، عن ابن عباس قال: تدرون ما {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} ؟ قلنا: لا. قال: هي السفن، جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها. وكذا قال [غير واحد و] (2) أبو مالك، والضحاك، وقتادة، وأبو صالح، والسدي أيضا: المراد بقوله: (3) {وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} : أي السفن. ويقوي هذا المذهب في المعنى قوله تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة:11، 12] . وقوله: {وإن نشأ نغرقهم} يعني: الذين في السفن، {فلا صريخ لهم} أي: فلا مغيث لهم مما هم فيه، {ولا هم ينقذون} أي: مما أصابهم. {إلا رحمة منا} وهذا استثناء منقطع، تقديره: ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونسلمكم إلى أجل مسمى؛ ولهذا قال: {ومتاعا إلى حين} أي: إلى وقت معلوم عند الله. يقول تعالى مخبرا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} قال مجاهد: من الذنوب. وقال غيره بالعكس، {لعلكم ترحمون} أي: لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه. وتقدير كلامه: أنهم لا يجيبون إلى ذلك ويعرضون عنه. واكتفى عن ذلك بقوله: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} أي: على التوحيد وصدق الرسل {إلا كانوا عنها معرضين} أي: لا يتأملونها ولا ينتفعون (4) بها. وقوله: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله} أي: وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين {قال الذين كفروا للذين آمنوا} أي: عن الذين آمنوا من الفقراء، أي: قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} أي: وهؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جل ثناؤه بالفلك المشحون؛ والفلك: هي السفينة، والمشحون: المملوء الموقر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٤٢) ↗التحرير والتنوير
وسمى العرب تلك الطرائق أفلاكا وأحدها فلك اشتقوا له اسما من اسم فلكة المغزل، وهي عود في أعلاه خشبة مستديرة متبطحة مثل التفاحة الكبيرة تلف المرأة عليها خيوط غزلها التي تفتلها لتديرها بكفيها فتلتف عليها خيوط الغزل، فتوهموا الفلك جسما كرويا وتوهموا الكواكب موضوعة عليه تدور بدورته ولذلك قدروا الزمان بأنه حركة الفلك. وسموا ما بين مبدأ المدتين حتى ينتهي إلى حيث ابتدأ دورة الفلك. ولكن القرآن جاراهم في الاسم اللغوي لأن ذلك مبلغ اللغة وأصلح لهم ما توهموا بقوله: يسبحون، فبطل أن تكون أجرام الكواكب ملتصقة بأفلاكها ولزم من كونها سابحة أن طرائق سيرها دوائر وهمية لأن السبح هنا سبح في الهواء لا في الماء، والهواء لا تخطط فيه الخطوط ولا الأخاديد. وجيء بضمير يسبحون ضمير جمع مع أن المتقدم ذكره شيئان هما الشمس والقمر لأن المراد إفادة تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الكواكب وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن. وجملة كل في فلك فيها محسن الطرد والعكس فإنها تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها. [41، 44] 44] وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) انتقال من عد آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفلك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها. وقد ذكر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان. ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جعلت
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٦) ↗