سورة يس · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. { إذ جآءها المرسلون } من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { فقالوا } لهم: { إنآ إليكم مرسلون } فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: ف { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11]. { ومآ أنزل الرحمن من شيء } أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إن أنتم إلا تكذبون }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ولبادرنا بالعقوبة. { وما علينآ إلا البلاغ المبين } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} . تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله [له] ، (1) وما هجم عليه. وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20] ، وبعد مماته في قوله: {يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} رواه ابن أبي حاتم. وقال سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: {بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} بإيماني بربي وتصديقي المرسلين. ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر -وهو محمد-عن (3) عبد الملك -يعني: ابن عمير-قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أخاف أن يقتلوك". فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك غدا بما يسوءك. فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف، إن اللات لا لات، وإن العزى لا عزى، أسلموا تسلموا. يا معشر الأحلاف، إن العزى لا عزى، وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا. قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا مثله كمثل صاحب يس، {قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} (4) وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم: أنه حدث عن كعب الأحبار: أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم -أخو بني مازن بن النجار- الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[يس: 26] يقول: يا ليتهم يعلمون أن السبب الذي PageEndV19P425 من أجله غفر لي ربي ذنوبي، وجعلني من الذين أكرمهم الله بإدخاله إياه جنته، كان إيماني بالله وصبري فيه، حتى قتلت، فيؤمنوا بالله ويستوجبوا الجنة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٢٤) ↗التحرير والتنوير
27] قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) استئناف بياني لما ينتظره سامع القصة من معرفة ما لقيه من قومه بعد أن واجههم بذلك الخطاب الجزل. وهل اهتدوا بهديه أو أعرضوا عنه وتركوه أو آذوه كما يؤذى أمثاله من الداعين إلى الحق المخالفين هوى الدهماء فيجاب بما دل عليه قوله: قيل ادخل الجنة وهو الأهم عند المسلمين وهم من المقصودين بمعرفة مثل هذا ليزدادوا يقينا وثباتا في إيمانهم، وأما المشركون فحظهم من المثل ما تقدم وما يأتي من قوله: إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون [يس: 29] . وفي قوله: قيل ادخل الجنة كناية عن قتله شهيدا في إعلاء كلمة الله لأن تعقيب موعظته بأمره بدخول الجنة دفعة بلا انتقال يفيد بدلالة الاقتضاء أنه مات وأنهم قتلوه لمخالفته دينهم، قال بعض المفسرين: قتلوه رجما بالحجارة، وقال بعضهم: أحرقوه، وقال بعضهم: حفروا له حفرة وردموه فيها حيا. وإن هذا الرجل المؤمن قد أدخل الجنة عقب موته لأنه كان من الشهداء والشهداء لهم مزية التعجيل بدخول الجنة دخولا غير موسع. ففي الحديث: «إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تأكل من ثمار الجنة» . والقائل: ادخل الجنة هو الله تعالى. والمقول له هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة وإنما لم يذكر ضمير المقول له مجرورا باللام لأن القول المذكور هنا قول تكويني لا يقصد منه المخاطب به بل يقصد حكاية حصوله لأنه إذا حصل حصل أثره كقوله تعالى: أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] . وإذ لم يقص في المثل أنه غادر مقامه الذي قام فيه بالموعظة كان ذلك إشارة إلى أنه مات في مقامه ذلك، ويفهم منه أنه مات قتيلا في ذلك الوقت أو بأثره. وإنما سلك في هذا المعنى طريق الكناية ولم يصرح بأنهم قتلوه إغماضا لهذا المعنى عن المشركين كيلا يسرهم أن قومه قتلوه فيجعلوه من جملة ما ضرب به
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٧٠) ↗