سورة يس · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. { إذ جآءها المرسلون } من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { فقالوا } لهم: { إنآ إليكم مرسلون } فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: ف { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11]. { ومآ أنزل الرحمن من شيء } أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إن أنتم إلا تكذبون }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ولبادرنا بالعقوبة. { وما علينآ إلا البلاغ المبين } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وما لي لا أعبد الذي فطرني} أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، {وإليه ترجعون} أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. {أأتخذ من دونه آلهة} ؟ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا. فإن الله لو أرادني بسوء، {فلا كاشف له إلا هو} [يونس: 107] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه، {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله. وقوله: {إني آمنت بربكم فاسمعون} : قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-يقول لقومه: {إني آمنت بربكم} الذي كفرتم به، {فاسمعون} أي: فاسمعوا قولي. ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إني آمنت بربكم} أي: الذي أرسلكم، {فاسمعون} أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني [قد] (1) آمنت بربكم واتبعتكم. (2) وهذا [القول] (3) الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم. قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك، فقتلوه، رحمه الله. قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له: {ادخل الجنة} ، فدخلها فهو يرزق منها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها. وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قتل فوجبت له (1) ، فلما رأى الثواب {قال يا ليت قومي يعلمون} . قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
أسماءكم حين دعوناكم حل الشؤم بينكم كناية عن كونهم أهلا لأن تكون أسماؤهم شؤما. وفي ذكر كلمة قوم إيذان بأن الإسراف متمكن منهم وبه قوام قوميتهم كما تقدم في قوله: لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] . [20- 25] 25] وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) عطف على قصة التحاور الجاري بين أصحاب القرية والرسل الثلاثة لبيان البون بين حال المعاندين من أهل القرية وحال الرجل المؤمن منهم الذي وعظهم بموعظة بالغة وهو من نفر قليل من أهل القرية. فلك أن تجعل جملة وجاء من أقصا المدينة عطفا على جملة جاءها المرسلون [يس: 13] ولك أن تجعلها عطفا على جملة فقالوا إنا إليكم مرسلون [يس: 14] . والمراد بالمدينة هنا نفس القرية المذكورة في قوله: أصحاب القرية [يس: 13] عبر عنها هنا بالمدينة تفننا، فيكون أقصا صفة لمحذوف هو المضاف في المعنى إلى المدينة. والتقدير: من بعيد المدينة، أي طرف المدينة، وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة الإشارة إلى أن الإيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في قلب المدينة لأن قلب المدينة هو مسكن حكامها وأحبار اليهود وهم أبعد عن الإنصاف والنظر في صحة ما يدعوهم إليه الرسل، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم وخشيتهم بأسهم بخلاف سكان أطراف المدينة فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر وقلة اكتراث بالآخرين لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم لقربهم من البدو. وبهذا يظهر وجه تقديم من أقصا المدينة على رجل للاهتمام بالثناء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٦٥) ↗