سورة يس · الآية ١٨
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. { إذ جآءها المرسلون } من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { فقالوا } لهم: { إنآ إليكم مرسلون } فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: ف { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11]. { ومآ أنزل الرحمن من شيء } أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إن أنتم إلا تكذبون }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ولبادرنا بالعقوبة. { وما علينآ إلا البلاغ المبين } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وليمسنكم منا عذاب أليم} أي: عقوبة شديدة. فقالت لهم رسلهم: {طائركم معكم} أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف: 131] ، وقال قوم صالح: (1) {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} [النمل: 47] . وقال قتادة، ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم. وقال تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] . وقوله: {أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون. قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه -قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير -وهو (2) الحبال-وكان رجلا سقيما (3) قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم النظرة. (4) وقال ابن إسحاق عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقسم -أو: عن مجاهد-عن ابن عباس قال: [كان] (5) اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مرى. وقال شبيب بن بشر، (6) عن عكرمة، عن ابن عباس [أيضا] (7) قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه. وقال السدي: كان قصارا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافا. وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك. {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} : يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، {اتبعوا من لا يسألكم أجرا} أي: على إبلاغ الرسالة، {وهم مهتدون} فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٧٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤١٦) ↗التحرير والتنوير
واضطرهم إلى شدة التوكيد بالقسم ما رأوا من تصميم كثير من أهل القرية على تكذيبهم. ويسمى هذا المقدار من التأكيد ضربا إنكاريا. وأما قولهم: وما علينا إلا البلاغ المبين فذلك وعظ وعظوا به القوم ليعلموا أنهم لا منفعة تنجر لهم من إيمان القوم وإعلان لهم بالتبرؤ من عهدة بقاء القوم على الشرك وذلك من شأنه أن يثير النظر الفكري في نفوس القوم. والبلاغ اسم مصدر من أبلغ إذا أوصل خبرا، قال تعالى: إن عليك إلا البلاغ [الشورى: 48] وقال: هذا بلاغ للناس [إبراهيم: 52] . ولا يستعمل البلاغ في إيصال الذوات. والفقهاء يقولون في كراء السفن والرواحل: إن منه ما هو على البلاغ. يريدون على الوصول إلى مكان معين بين المكري والمكتري. والمبين وصف للبلاغ، أي البلاغ الواضح دلالة وهو الذي لا إيهام فيه ولا مواربة. [18] 18] قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) لما غلبتهم الحجة من كل جانب وبلغ قول الرسل وما علينا إلا البلاغ المبين [يس: 17] من نفوس أصحاب القرية مبلغ الخجل والاستكانة من إخفاق الحجة والاتسام بميسم المكابرة والمنابذة للذين يبتغون نفعهم انصرفوا إلى ستر خجلهم وانفحامهم بتلفيف السبب لرفض دعوتهم بما حسبوه مقنعا للرسل بترك دعوتهم ظنا منهم أن يدعونه شيء خفي لا قبل لغير مخترعه بالمنازعة فيه، وذلك بأن زعموا أنهم تطيروا بهم ولحقهم منهم شؤم، ولا بد للمغلوب من بارد العذر. والتطير في الأصل: تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهم منه أحد أنه كان سببا في لحاق شر به فصار مرادفا للتشاؤم. وفي الحديث: «لا عدوى ولا طيرة وإنما الطيرة على من تطير» وبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٦٢) ↗