سورة يس · الآية ١٦
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. { إذ جآءها المرسلون } من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي. { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { فقالوا } لهم: { إنآ إليكم مرسلون } فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: ف { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 11]. { ومآ أنزل الرحمن من شيء } أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إن أنتم إلا تكذبون }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ولبادرنا بالعقوبة. { وما علينآ إلا البلاغ المبين } أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] ، فاستعجبوا (3) من ذلك وأنكروه. وقوله: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] . وقوله حكاية عنهم في قوله: {ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} [المؤمنون: 34] ، {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} ؟ [الإسراء: 94] . ولهذا قال هؤلاء: {ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] . (4) {وما علينا إلا البلاغ المبين} يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غب ذلك،والله أعلم. فعند ذلك قال لهم أهل القرية: {إنا تطيرنا بكم} أي: لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا. وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها. {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} : قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٦٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بما أرسلوا به: ما أنتم أيها القوم إلا أناس مثلنا، ولو كنتم رسلا كما تقولون، لكنتم ملائكة {وما أنزل الرحمن من شيء} [يس: 15] يقول: قالوا: وما أنزل الرحمن إليكم من رسالة ولا كتاب ولا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤١٥) ↗التحرير والتنوير
هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماوات والأرض إلخ. وصالح لأن يصدر من اليهود الذين لم يتنصروا لأن ذلك القول يقتضي أنهما وبقية اليهود سواء وأن لا فضل لهما بما يزعمون من النبوءة ويقتضي إنكار أن يكون الله أنزل شيئا، أي بعد التوراة. فمن إعجاز القرآن جمع مقالة الفريقين في هاتين الجملتين. واختيار وصف الرحمن في حكاية قول الكفرة وما أنزل الرحمن من شيء لكونه صالحا لعقيدة الفريقين لأن اليونان لا يعرفون اسم الله، ورب الأرباب عندهم هو (زفس) وهو مصدر الرحمة في اعتقادهم، واليهود كانوا يتجنبون النطق باسم الله الذي هو في لغتهم (يهوه) فيعوضونه بالصفات. والاستثناء في إن أنتم إلا تكذبون استفهام مفرغ من أخبار محذوفة فجملة تكذبون في موضع الخبر عن ضمير أنتم. [16، 17] قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) حكيت هذه المحاورة على سنن حكاية المحاورات بحكاية أقوال المتحاورين دون عطف. وربنا يعلم قسم لأنه استشهاد بالله على صدق مقالتهم، وهو يمين قديمة انتقلها العرب في الجاهلية فقال الحارث بن عباد: لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني لحرها اليوم صالي ويظهر أنه كان مغلظا عندهم لقلة وروده في كلامهم ولا يكاد يقع إلا في مقام مهم. وهو عند علماء المسلمين يمين كسائر الأيمان فيها كفارة عند الحنث. وقال بعض علماء الحنفية: أن لهم قولا بأن الحالف به كاذبا تلزمه الردة لأنه نسب إلى علم الله ما هو مخالف للواقع، فآل إلى جعل علم الله جهلا. وهذا يرمي إلى التغليظ والتحذير وإلا فكيف يكفر أحد بلوازم بعيدة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٦١) ↗