سورة يس · الآية ١٠
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة. ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها. { إنك لمن المرسلين } هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل، من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة. ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه { على صراط مستقيم } معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر (1) : فما أدري إذا يممت أرضا %~% أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه %~% أم الشر الذي لا يأتليني فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لما دل السياق والكلام عليه، (2) وكذا هذا، لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} قال: هو كقول الله (3) تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء:29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة (4) إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد: {فهم مقمحون} قال: رافعو (5) رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير. وقوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} : قال مجاهد: عن الحق، {ومن خلفهم سدا} قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. وقوله: {فأغشيناهم} أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، {فهم لا يبصرون} أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "فأعشيناهم" بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع. وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} إلى قوله: { [فهم] لا يبصرون} (6) ، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه (7) كنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فإنهم لا يؤمنون، لأن الله قد حكم عليهم بذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٠٧) ↗التحرير والتنوير
والإغشاء: وضع الغشاء. وهو ما يغطي الشيء. والمراد: أغشينا أبصارهم، ففي الكلام حذف مضاف دل عليه السياق وأكده التفريع بقوله: فهم لا يبصرون. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة تقوي الحكم، أي تحقيق عدم إبصارهم. [10] 10] وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) عطف على جملة لا يبصرون [يس: 9] ، أي إنذارك وعدمه سواء بالنسبة إليهم، فحرف (على) معناه الاستعلاء المجازي وهو هنا الملابسة، متعلق ب سواء الدال على معنى (استوى) ، وتقدم نظيرها في أول سورة البقرة. وهمزة التسوية أصلها الاستفهام ثم استعملت في التسوية على سبيل المجاز المرسل، وشاع ذلك حتى عدت التسوية من معاني الهمزة لكثرة استعمالها في ذلك مع كلمة سواء وهي تفيد المصدرية. ولما استعملت الهمزة في معنى التسوية استعملت أم في معنى الواو، وقد جاء على الاستعمال الحقيقي قول بثينة: سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وجملة لا يؤمنون مبينة استواء الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم. [11] إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) لما تضمن قوله: وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم [يس: 10] أن الإنذار في جانب الذين حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون هو وعدمه سواء وكان ذلك قد يوهم انتفاء الجدوى من الغير وبعض من فضل أهل الإيمان أعقب ببيان جدوى الإنذار بالنسبة لمن اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب. والذكر القرآن. والاتباع: حقيقته الاقتفاء والسير وراء سائر، وهو هنا مستعار للإقبال على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٥٢) ↗