سورة فاطر · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال حكمته ورحمته بعباده، أنه قدر بقضائه السابق، أن يجعل بعضهم يخلف بعضا في الأرض، ويرسل لكل أمة من الأمم النذر، فينظر كيف يعملون، فمن كفر بالله وبما جاءت به رسله، فإن كفره عليه، وعليه إثمه وعقوبته، ولا يحمل عنه أحد، ولا يزداد الكافر بكفره إلا مقت ربه له وبغضه إياه، وأي: عقوبة أعظم من مقت الرب الكريم؟! { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي: يخسرون أنفسهم وأهليهم وأعمالهم ومنازلهم في الجنة، فالكافر لا يزال في زيادة من الشقاء والخسران، والخزي عند الله وعند خلقه والحرمان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٣٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل:62] {فمن كفر فعليه كفره} أي: فإنما يعود وبال ذلك (1) على نفسه (2) دون غيره، {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين، [فسبحان المقدر المدبر رب العالمين] . (3) يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: من الأصنام والأنداد، {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير. وقوله: {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه} أي: أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور. ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] ، وقال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} [الروم: 25] {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم (4) فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: {إنه كان حليما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأمم فجعلكم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٨٨) ↗التحرير والتنوير
وفي هذا إبطال لخلق أهل الجاهلية القائلين في أمثالهم «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . وقد ألقى النبيء صلى الله عليه وسلم على أصحابه إبطال ذلك فساق لهم هذا المثل حتى سألوا عنه ثم أصلح معناه مع بقاء لفظه فقال: «إذا كان ظالما تنصره على نفسه فتكفه عن ظلمه» . [38، 39] إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) جملة إن الله عالم غيب السماوات والأرض استئناف واصل بين جملة إن الله بعباده لخبير بصير [فاطر: 31] وبين جملة قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض [فاطر: 40] الآية، فتسلسلت معانيه فعاد إلى فذلكة الغرض السالف المنتقل عنه من قوله: وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم إلى قوله: إن الله بعباده لخبير بصير [فاطر: 25- 31] ، فكانت جملة: إن الله عالم غيب السماوات والأرض كالتذييل لجملة إن الله بعباده لخبير بصير. وفي هذا إيماء إلى أن الله يجازي كل ذي نية على حسب ما أضمره ليزداد النبيء صلى الله عليه وسلم يقينا بأن الله غير عالم بما يكنه المشركون. وجملة إنه عليم بذات الصدور مستأنفة هي كالنتيجة لجملة إن الله عالم غيب السماوات والأرض لأن ما في الصدور من الأمور المغيبة فيلزم من علم الله بغيب السموات والأرض علمه بما في صدور الناس. و «ذات الصدور» ضمائر الناس ونياتهم، وتقدم عند قوله تعالى: إنه عليم بذات الصدور في سورة الأنفال [43] . وجيء في الإخبار بعلم الله بالغيب بصيغة اسم الفاعل، وفي الإخبار بعلمه بذات الصدور بصيغة المبالغة لأن المقصود من إخبار المخاطبين تنبيههم على أنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٢١) ↗