سورة فاطر · الآية ٣٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى حال أهل الجنة ونعيمهم، ذكر حال أهل النار وعذابهم فقال: { والذين كفروا } أي: جحدوا ما جاءتهم به رسلهم من الآيات، وأنكروا لقاء ربهم. { لهم نار جهنم } يعذبون فيها أشد العذاب، وأبلغ العقاب. { لا يقضى عليهم } بالموت { فيموتوا } فيستريحوا، { ولا يخفف عنهم من عذابها } فشدة العذاب وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات. { كذلك نجزي كل كفور * وهم يصطرخون فيها } أي: يصرخون ويتصايحون ويستغيثون ويقولون: { ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } فاعترفوا بذنبهم، وعرفوا أن الله عدل فيهم، ولكن سألوا الرجعة في غير وقتها، فيقال لهم: { أولم نعمركم ما } أي: دهرا وعمرا { يتذكر فيه من تذكر } أي: يتمكن فيه من أراد التذكر من العمل، متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، حتى إذا انقضت آجالكم وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان بأشر الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار دار الجزاء على الأعمال، سألتم الرجعة؟ هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب مهانين، ولهذا قال: { فذوقوا فما للظالمين من نصير } ينصرهم فيخرجهم منها، أو يخفف عنهم من عذابها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٣٦–٣٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الأول، وقد علم الرب، جل جلاله، أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم: {فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا} [غافر: 11، 12] ، أي: لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه؛ ولهذا قال هاهنا: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: مقدار سبع عشرة سنة. وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير (1) بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} ، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة، وكذا قال أبو غالب الشيباني. وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن رجل، عن وهب بن منبه في قوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قال: عشرين (2) سنة. وقال هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن الحسن في قوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} قال: أربعين سنة. وقال هشيم [أيضا] (3) ، عن مجاهد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة، فليأخذ حذره من الله عز وجل. وهذه رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} أربعون سنة. هكذا رواه من هذا الوجه، عن ابن عباس. وهذا القول هو اختيار ابن جرير. ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم (4) ، عن مجاهد (5) ، عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقوله: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] يقول تعالى ذكره: هؤلاء الكفار يستغيثون، ويضجون في النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالحا: أي نعمل بطاعتك {غير الذي كنا نعمل} [الأعراف: 53] PageEndV19P384 قبل من معاصيك وقوله: {يصطرخون} [فاطر: 37] يفتعلون من الصراخ، حولت تاؤها طاء لقرب مخرجها من الصاد لما ثقلت
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٨٣) ↗التحرير والتنوير
للحقيقة، أي لا يقدر الله موتهم، فقوله: فيموتوا مسبب على القضاء. والمعنى: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا، ومحتمل للمجاز وهو الموت. وتفريع فيموتوا على هذا الوجه أنهم لا يموتون إلا الإماتة التي يتسبب عليها الموت الحقيقي الذي يزول عنده الإحساس، فيفيد أنهم يماتون موتا ليس فيه من الموت إلا آلامه دون راحته، قال تعالى: ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون [الزخرف: 77] وقال تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب [النساء: 56] . وضمير عذابها عائد إلى جهنم ليشمل ما ورد من أن المعذبين يعذبون بالنار ويعذبون بالزمهرير وهو شدة البرد وكل ذلك من عذاب جهنم. ووقع كذلك موقع المفعول المطلق لقوله: نجزي أي نجزيهم جزاء كذلك الجزاء، وتقدم عند قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة [143] . وجملة كذلك نجزي كل كفور تذييل. والكفور: الشديد الكفر، وهو المشرك. وقرأ الجمهور نجزي بنون العظمة ونصب كل. وقرأه أبو عمرو وحده يجزى بياء الغائب والبناء للنائب ورفع كل. [37] وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل. الضمير إلى الذين كفروا [فاطر: 36] والجملة عطف على جملة لهم نار جهنم [فاطر: 36] ولا تجعل حالا لأن التذييل آذن بانتهاء الكلام وباستقبال كلام جديد. ويصطرخون مبالغة في (يصرخون) لأنه افتعال من الصراخ وهو الصياح بشدة وجهد، فالاصطراخ مبالغة فيه، أي يصيحون من شدة ما نابهم. وجملة ربنا أخرجنا بيان لجملة يصطرخون، يحسبون أن رفع الأصوات أقرب إلى علم الله بندائهم ولإظهار عدم إطاقة ما هم فيه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣١٨) ↗