سورة سبأ · الآية ٤٢
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الآية: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} : إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم. يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورة الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: {أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} ؟ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ كما قال في سورة الفرقان: {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل} [الفرقان: 17] ، وكما يقول لعيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} [المائدة: 116] . وهكذا تقول الملائكة: {سبحانك} أي: تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله {أنت ولينا من دونهم} أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء، {بل كانوا يعبدون الجن} يعنون: الشياطين؛ لأنهم هم الذين (1) يزينون لهم عبادة الأوثان ويضلونهم (2) ، {أكثرهم بهم مؤمنون} ، كما قال تعالى: {إن يدعون (3) من دونه إلا إناثا وإن يدعون (4) إلا شيطانا مريدا} [النساء: 117] . قال الله تعالى: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا} أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا، {ونقول للذين ظلموا} -وهم المشركون- {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} أي: يقال لهم ذلك، تقريعا وتوبيخا. يخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب؛ لأنهم كانوا إذا تتلى
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٢٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تنالونهم به {ونقول للذين ظلموا} [سبأ: 42] يقول: ونقول للذين عبدوا غير الله فوضعوا العبادة في غير موضعها، وجعلوها لغير من تنبغي أن تكون له: {ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها} [سبأ: 42] في الدنيا {تكذبون} [المؤمنون: 105] فقد وردتموها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٠٠) ↗التحرير والتنوير
جعلوا أنفسهم موالين لله فقد كذبوا المشركين الذين زعموا لهم الإلهية، لأن العابد لا يكون معبودا. وقد تقدم الكلام على لفظ (ولي) عند قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ وليا في سورة الأنعام [14] وفي آخر سورة الرعد. ومن زائدة للتوكيد و (دون) اسم لمعنى غير، أي أنت ولينا وهم ليسوا أولياء لنا ولا نرضى بهم لكفرهم ف من دونهم تأكيد لما أفادته جملة أنت ولينا من الحصر لتعريف الجزأين. وبل للإضراب الانتقالي انتقالا من التبرؤ منهم إلى الشهادة عليهم وعلى الذين سولوا لهم عبادة غير الله تعالى، وليس إضراب إبطال لأن المشركين المتحدث عنهم كانوا يعبدون الملائكة، والمعنى: بل كان أكثر هؤلاء يعبدون الجن وكان الجن راضين بعبادتهم إياهم. وحاصل المعنى: أنا منكرون عبادتهم إيانا ولم نأمرهم بها ولكن الجن سولت لهم عبادة غير الله فعبدوا الجن وعبدوا الملائكة. وجملة أكثرهم للمشركين وضمير بهم للجن، والمقام يرد كل ضمير إلى معاده ولو تماثلت الضمائر كما في قول عباس بن مرداس يوم حنين: عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم ... بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا أي أحرز جمع المشركين ما جمعه المسلمون من مغانم. وقرأ الجمهور نحشرهم ونقول بنون العظمة. وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب فيهما، والضمير عائد إلى ربي من قوله: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له [سبأ: 39] . [42] 42] فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا. الأظهر أن هذا من خطاب الله تعالى المشركين والجن. والفاء فصيحة ناشئة عن المقاولة السابقة. وهي كلام موجه من جانب الله تعالى إلى الملائكة والمقصود به: التعريض بضلال الذين عبدوا الملائكة والجن لأن الملائكة يعلمون مضمون هذا الخبر فلا نقصد إفادتهم به. والمعنى: إذ علمتم أنكم عبدتم الجن فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٢٣) ↗