سورة سبأ · الآية ١١
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته (1) ، ثم قال " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه. (2) ومعنى قوله: {أوبي} أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وزعم أبو (3) ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها. وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجمل" في باب النداء منه: {يا جبال أوبي معه} أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد (4) : سير الليل كله. وهذا لفظه، وهو غريب جدا لم أجده (5) لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: {أوبي معه} أي: رجعي معه مسبحة معه، كما تقدم، والله أعلم. وقوله: {وألنا له الحديد} : قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: {أن اعمل سابغات} وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة (6) ، عن ابن شوذب قال: كان داود، عليه السلام، يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عند العرب: الرجوع، ومبيت الرجل في منزله وأهله؛ ومنه قول الشاعر: [البحر البسيط] يومان يوم مقامات وأندية %~% ويوم سير إلى الأعداء تأويب، أي رجوع. وقد كان بعضهم يقرؤه: أوبي معه من آب يؤوب، بمعنى: تصرفي معه؛ وتلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة PageEndV19P220 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢١٩) ↗التحرير والتنوير
الشيء. وقد تقدم في قوله تعالى: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا في سورة الإسراء [92] . وقرأ الجمهور نخسف ونسقط بنون العظمة. وقرأها حمزة والكسائي وخلف بياء الغائب على الالتفات من مقام التكلم إلى مقام الغيبة، ومعاد الضميرين معروف من سياق الكلام. وجملة إن في ذلك لآية لكل عبد منيب تعليل للتعجيب الإنكاري باعتبار ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفا، فموقع حرف التوكيد هنا لمجرد التعليل، كقول بشار: إن ذاك النجاح في التبكير ولك أن تجعل تذييلا. والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من الكائنات فيهما. والآية: الدليل والتعريف للجنس، فالمفرد المعرف مساو للجمع، أي لآيات كثيرة. والمنيب: الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في الآخرة فهو يقدر المواعظ حق قدرها ويتلقاها بالشك في الحالة التي وعظ من أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين مرتديا برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة الله، ومن أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم. [10، 11] ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) مناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى ذكر داود خفية. فقال ابن عطية: ذكر الله نعمته على داود وسليمان احتجاجا على ما منح محمدا، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديما.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٥٤) ↗