سورة الأحزاب · الآية ٧٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعظم تعالى شأن الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأديتها على وجهها فلك الثواب، وإن لم تقومي بها [ولم تؤديها] فعليك العقاب. { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها } أي: خوفا أن لا يقمن بما حملن، لا عصيانا لربهن، ولا زهدا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. فانقسم الناس - بحسب قيامهم بها وعدمه - إلى ثلاثة أقسام: منافقون أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرا لا باطنا، ومشركون تركوها ظاهرا وباطنا، ومؤمنون قائمون بها ظاهرا وباطنا. فذكر الله تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب، فقال: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما }. فله الحمد تعالى، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على تمام مغفرة الله، وسعة رحمته، وعموم جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثير منهم لم يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحزاب ٧٢–٧٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب -يعني يحيى بن يعقوب-في قوله تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} قال: هو كثرة البكاء {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} قال: قليل البكاء {وإن منها لما يهبط من خشية الله} قال: بكاء القلب، من غير دموع العين. وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز؛ وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: {يريد أن ينقض} قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} الآية، وقال: {والنجم والشجر يسجدان} و {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله} الآية، {قالتا أتينا طائعين} {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} الآية، {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله} الآية، وفي الصحيح: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه. وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير؛ أي مثلا لهذا وهذا وهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين.. وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب كقول القائل أكلت خبزا أو تمرا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل كل حلوا أو حامضا؛ أي لا يخرج عن واحد منهما؛ أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين. والله أعلم. تنبيه: اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: "أو" هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
الله بامتثال أمره. وإنما صيغت الجملة في صيغة الشرط وجوابه لإفادة العموم في المطيعين وأنواع الطاعات فصارت الجملة بهذين العمومين في قوة التذييل. وهذا نسج بديع من نظم الكلام وهو إفادة غرضين بجملة واحدة. [72] 72] إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) استئناف ابتدائي أفاد الإنباء على سنة عظيمة من سنن الله تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملات بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقها فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعرا لهم بمصيرهم ومبينا سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض. وموقع هذه الآية عقب ما قبلها، وفي آخر هذه السورة يقتضي أن لمضمونها ارتباطا بمضمون ما قبلها، ويصلح عونا لاكتشاف دقيق معناها وإزالة ستور الرمز عن المراد منها، ولو بتقليل الاحتمال، والمصير إلى المآل. والافتتاح بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو تنزيله لغرابة شأنه منزلة ما قد ينكره السامع. وافتتاح الآية بمادة العرض، وصوغها في صيغة الماضي، وجعل متعلقها السماوات والأرض والجبال والإنسان يومىء إلى أن متعلق هذا العرض كان في صعيد واحد فيقتضي أنه عرض أزلي في مبدأ التكوين عند تعلق القدرة الربانية بإيجاد الموجودات الأرضية وإيداعها فصولها المقومة لمواهيها وخصائصها ومميزاتها الملائمة لوفائها بما خلقت لأجله كما حمل قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم [الأعراف: 172] الآية. واختتام الآية بالعلة من قوله: ليعذب الله المنافقين والمنافقات [الأحزاب: 73] إلى نهاية السورة يقتضي أن للأمانة المذكورة في هذه الآية مزيد اختصاص بالعبرة في أحوال المنافقين والمشركين من بين نوع الإنسان في رعي الأمانة وإضاعتها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٢٤) ↗