سورة الأحزاب · الآية ٥٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآية التي تسمى آية الحجاب، فأمر الله نبيه أن يأمر النساء عموما، ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر [لغيره] ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم، كما قال تعالى: يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا [التحريم: 6]. أن { يدنين عليهن من جلابيبهن } وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، وجوههن وصدورهن. ثم ذكر حكمة ذلك، فقال: { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك، لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد الشر. فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن. { وكان الله غفورا رحيما } حيث غفر لكم ما سلف ورحمكم، بأن بين لكم الأحكام، وأوضح الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن. وأما من جهة أهل الشر فقد توعدهم بقوله: { لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض } أي: مرض شك أو شهوة { والمرجفون في المدينة } أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين. ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك كل ما توحي به أنفسهم إليهم وتوسوس به وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة من أمثال هؤلاء. { لنغرينك بهم } أي: نأمرك بعقوبتهم وقتالهم، ونسلطك عليهم، ثم إذا فعلنا ذلك، لا طاقة لهم بك، وليس لهم قوة ولا امتناع، ولهذا قال: { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } أي: لا يجاورونك في المدينة إلا قليلا، بأن تقتلهم أو تنفيهم. وهذا فيه دليل لنفي أهل الشر، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشر وأبعد منه، ويكونون { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } أي: مبعدين أين وجدوا، لا يحصل لهم أمن، ولا يقر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا عائشة، إني عارض عليك أمرا، فلا تفتياني فيه [بشيء] (1) حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله، وما هو؟ قال: "قال الله عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} .قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الحجر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة، رضي الله عنهن كلهن (2) . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به. قال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن (3) محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل علي فقال: "سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك". فقلت: وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني اختار الله ورسوله، فسر بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله (4) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قالت عائشة، رضي الله عنها: أنزلت آية التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: "إني ذاكر لك أمرا، فلا (5) عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك". …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 80] يا محمد {لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن} [الأحزاب: 28] يقول فإني أمتعكن ما أوجب الله على الرجال للنساء من المتعة عند فراقهم إياهن بالطلاق بقوله: {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: 236] وقوله: {وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] يقول: وأطلقكن على ما أذن الله به، وأدب به عباده بقوله: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، {وإن كنتن تردن الله ورسوله} [الأحزاب: 29] يقول: وإن كنتن تردن رضا الله ورضا رسوله وطاعتهما فأطعنهما {فإن الله أعد للمحسنات منكن} [الأحزاب: 29] وهن العاملات منهن بأمر الله وأمر رسوله {أجرا عظيما} [النساء: 40] وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من عرض الدنيا، إما زيادة في النفقة، أو غير ذلك، فاعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا فيما ذكر، ثم أمره الله أن يخيرهن بين الصبر عليه والرضا بما قسم لهن والعمل بطاعة الله، وبين أن يمتعهن ويفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن. وقيل: كان سبب ذلك غيرة كانت عائشة غارتها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٨٤) ↗التحرير والتنوير
[28- 29] يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يستخلص مما ذكره ابن عطية رواية عن ابن الزبير ومما ذكره أبو حيان في «البحر المحيط» وغير ذلك: أن وجه اتصال هذه الآيات بما قبلها أنه لما فتحت على المسلمين أرض قريظة وغنموا أموالهم وكانت أرض النضير قبيل ذلك فيئا للنبيء صلى الله عليه وسلم حسب أزواج رسول الله أن مثله مثل أحد من الرجال إذا وسع عليهم الرزق توسعوا فيه هم وعيالهم فلم يكن أزواج النبيء عليه الصلاة والسلام يسألنه توسعة قبل أن يفيء الله عليه من أهل النضير وقبل أن يكون له الخمس من الغنائم، فلما رأين النبيء صلى الله عليه وسلم جعل لنفسه ولأزواجه أقواتهم من مال الله ورأين وفرة ما أفاء الله عليه من المال حسبن أنه يوسع في الإنفاق فصار بعضهن يستكثرنه من النفقة كما دل عليه قول عمر لحفصة ابنته أم المؤمنين: «لا تستكثري النبيء ولا تراجعيه في شيء وسليني ما بدا لك» . ولكن الله أقام رسوله صلى الله عليه وسلم مقاما عظيما فلا يتعلق قلبه بمتاع الدنيا إلا بما يقتضيه قوام الحياة وقد كان يقول: «ما لي وللدنيا» وقال: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب» . وقد بينت وجه استثناء هذين في رسالة كتبتها في الحكمة الإلهية من رياضة الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه بتقليل الطعام. وقال عمر: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه من خيل ولا ركاب فكانت لرسول الله خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنتهم ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة للمسلمين» . وقد علمت أن أرض قريظة قسمت على المهاجرين بحكم سعد بن معاذ، فلعل المهاجرين لما اتسعت أرزاقهم على أزواجهم أمل أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم أن يكن كالمهاجرين فأراد الله أن يعلمهن سيرة الصالحات في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗