سورة الأحزاب · الآية ٥٤
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دخول بيوته، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } أي: لا تدخلوها بغير إذن للدخول فيها لأجل الطعام. وأيضا لا تكونوا { ناظرين إناه } أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين: الإذن لكم بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } أي: قبل الطعام وبعده. ثم بين حكمة النهي وفائدته فقال: { إن ذلكم } أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، { كان يؤذي النبي } أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شؤون بيته، واشتغاله فيه { فيستحيي منكم } أن يقول لكم: " اخرجوا " كما هو جاري العادة، أن الناس - وخصوصا أهل الكرم منهم - يستحيون أن يخرجوا الناس من مساكنهم، { و } لكن { الله لا يستحيي من الحق }. فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أن في تركه أدبا وحياء، فإن الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه ليس من الأدب في شيء. والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخير لكم، والرفق لرسوله كائنا ما كان. فهذا أدبهم في الدخول في بيوته، وأما أدبهم معه في خطاب زوجاته، فإنه إما أن يحتاج إلى ذلك، أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج إليه فلا حاجة إليه، والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعا، أو غيره من أواني البيت أو نحوها، فإنهن يسألن { من ورآء حجاب } أي: يكون بينكم وبينهن ستر يستر عن النظر، لعدم الحاجة إليه. فصار النظر إليهن ممنوعا بكل حال، وكلامهن فيه التفصيل الذي ذكره الله، ثم ذكر حكمة ذلك بقوله: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } لأنه أبعد عن الريبة، وكلما بعد الإنسان عن الأسباب الداعية إلى الشر، فإنه أسلم له، وأطهر لقلبه. فلهذا، من الأمور الشرعية التي بين الله كثيرا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الخطاب: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب (1) . وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط: أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم. قال (2) البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو [كأنه] (3) يتهيأ (4) للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما قام [قام] (5) من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى [الحجاب] (6) بيني وبينه، فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي} الآية. وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به (7) . ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، [بنحوه (8) . ثم قال (9) : حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] (10) قال: بني [على] (11) النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته". …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[البقرة: 284] يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، فإن الله كان بكل شيء عليما، يقول: فإن الله بكل ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليم لا يخفى عليه شيء، وهو يجازيكم على جميع ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/١٧١) ↗التحرير والتنوير
… بمعاذ . فذلك ليس بطلاق ولكنه رجوع عن التزوج بها دال على أن العقد لم يقع وأن قول عمر لأبي بكر أو قول من قال لعمر: إن رسول الله لم يدخل بها هو كناية عن العقد. وعن الشافعي تحريم تزوج من عقد عليها النبيء صلى الله عليه وسلم. ورجع إمام الحرمين والرافعي أن التحريم قاصر على التي دخل بها. على أنه يظهر أن الإضافة في قوله: أزواجه بمعنى لام العهد، أي الأزواج اللائي جاءت في شأنهن هذه الآيات من قوله: لا يحل لك النساء من بعد [الأحزاب: 52] فهن اللاء ثبت لهن حكم الأمهات. وبعد فإن البحث في هذه المسألة مجرد تفقه لا يبنى عليه عمل. [54] 54] إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما (54) كلام جامع تحريضا وتحذيرا ومنبىء عن وعد ووعيد، فإن ما قبله قد حوى أمرا ونهيا، وإذ كان الامتثال متفاوتا في الظاهر والباطن وبخاصة في النوايا والمضمرات كان المقام مناسبا لتنبيههم وتذكيرهم بأن الله مطلع على كل حال من أحوالهم في ذلك وعلى كل شيء، فالمراد من شيئا الأول شيء مما يبدونه أو يخفونه وهو يعم كل ما يبدو وما يخفى لأن النكرة في سياق الشرط تعم. والجملة تذييل لما اشتملت عليه من العموم في قوله: بكل شيء. وإظهار لفظ شيء هنا دون إضمار لأن الإضمار لا يستقيم لأن الشيء المذكور ثانيا هو غير المذكور أولا، إذ المراد بالثاني جميع الموجودات، والمراد بالأول خصوص أحوال الناس الظاهرة والباطنة، فالله عليم بكل كائن ومن جملة ذلك ما يبدونه ويخفونه من أحوالهم. [55] لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا (55) تخصيص من عموم الأمر بالحجاب الذي اقتضاه قوله: فسئلوهن من وراء حجاب [الأحزاب: 53] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٩٥) ↗