سورة الأحزاب · الآية ٣
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يا أيها الذي من الله عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من غيرك، والتي يجب عليك منها أعظم من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ رسالاته، وأد إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق. ولا يصدنك عن هذا المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر قد أظهر العداوة لله ورسوله، ولا منافق قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده. فهؤلاء هم الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب. { و } لكن { اتبع ما يوحى إليك من ربك } فإنه هو الهدى والرحمة، وارج بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم من الخير والشر. فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك اعتماد من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، في سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك الأمر على أي: حال كان. { وكفى بالله وكيلا } توكل إليه الأمور، فيقوم بها وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصا خواص عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويدر عليهم بركاته الظاهرة والباطنة، خصوصا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع. وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض أمره لسيده، قد قام بأمور لا يقوم بها أمة من الناس، وقد سهل الله [عليه] ما كان يصعب على فحول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه. يقول تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا حسيا معروفا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له، فقال: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} ، كقوله: {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} . [المجادلة:3] . وقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} : هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: "زيد بن محمد" فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} كما قال في أثناء السورة: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب:40] وقال هاهنا: {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} : قال سعيد بن جبير {يقول الحق} أي: العدل. وقال قتادة: {وهو يهدي السبيل} أي: الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: "ذو القلبين"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردا عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. قاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، واختاره ابن جرير. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني ابن أبي ظبيان -أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى (1) : {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ، ما عنى بذلك؟ قال: قام …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
#، خشوا الناس كخشية الله وأشد خشية، يقولون لنبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، ولك منا طاعة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٢٤٦) ↗التحرير والتنوير
… وحده بما يعملون بالمثناة التحتية على الغيبة على أنه راجع للناس كلهم شامل للمسلمين والكافرين والمنافقين ليفيد مع تعليل الأمر بالاتباع تعريضا بالمشركين والمنافقين بمحاسبة الله إياهم على ما يبيتونه من الكيد، وكناية عن إطلاع الله رسوله على ما يعلم منهم في هذا الشأن كما سيجيء لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم [الأحزاب: 60] ، أي: لنطلعنك على ما يكيدون به ونأذنك بافتضاح شأنهم. وهذا المعنى الحاصل من هذه القراءة لا يفوت في قراءة الجمهور بالخطاب لأن كل فريق من المخاطبين يأخذ حظه منه. [3] 3] وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) زيادة تمهيد وتوطئة لتلقي تكليف يترقب منه أذى من المنافقين مثل قولهم: إن محمدا نهى عن تزوج نساء الأبناء وتزوج امرأة ابنه زيد بن حارثة، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [الأحزاب: 48] فأمره بتقوى ربه دون غيره، وأتبعه بالأمر باتباع وحيه، وعززه بالأمر بما فيه تأييده وهو أن يفوض أموره إلى الله. والتوكل: إسناد المرء مهمه وشأنه إلى من يتولى عمله وتقدم عند قوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران [159] . والوكيل: الذي يسند إليه غيره أمره، وتقدم عند قوله تعالى: وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في سورة آل عمران [173] . وقوله وكيلا تمييز نسبة، أي: كفى الله وكيلا، أي وكالته، وتقدم نظيره في قوله: وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا في سورة النساء [81] . [4] ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. استئناف ابتدائي ابتداء المقدمة للغرض بعد التمهيد له بما قلبه، والمقدمة أخص
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٥٣) ↗